Accessibility links

الانفجارات أشد ضجيجا في السينما


طاقم فيلم دنكيرك

بقلم رياض عصمت

يروي فيلم "دَنكيرك" (2017) ملحمة الشهامة والفداء حين انبرى مئات المدنيين الإنكليز في مراكبهم لإنقاذ جنود بلادهم المحاصرين في دَنكيرك تحت رحمة الجيش الألماني القاسي في الحرب العالمية الثانية. يعتبر كل فيلم جديد للمخرج المبدع كريستوفر نولان حدثاً سينمائياً لافتاً. كيف لا وهو مبدعMemento و The Prestige وسلسلة Batman الجديدة، وفيلمي Inception وInterstellar؟ فما بالنا ونولان يتصدى هذه المرة لتحدي إخراج فيلم حربي يعيد بدقة بالغة تسجيل أحداث تاريخ قريب؟ إنه يدخل بذلك معترك الأفلام الحربية التاريخية الكبرى، مثل "أطول يوم في التاريخ" و"جسر بعيد جداً"، وصولاً إلى "إنقاذ الجندي رايان"، و"فيوري" و"هاكسو ريدج". فهل واتاه النجاح؟

الحق يقال، أشعل نولان في "دَنكيرك" حرباً، ثم صورها. جعله حرصه الشديد على الدقة والأمانة التاريخية يغامر بالإبحار مع زوجته وصديقه على متن قارب عبر القنال الإنكليزي ليختبر ما عاناه أولئك الذين تصدوا لمهمة شبه انتحارية تحت رحمة الطيران الألماني بدافع إحساسهم الوطني النبيل. عندما حضر بعض المحاربين القدماء ممن تجاوزوا التسعين من العمر العرض الأول للفيلم، أفادوا بأن تصوير الأحداث مقنع للغاية، إنما صوت انفجارات الحرب في السينما كان أعلى من الواقع، الأمر الذي أبهج – بالطبع - قلب كريستوفر نولان.

حرص المخرج الذي ألَّف سيناريو الفيلم بنفسه، على اختيار طاقم تمثيلي تضمن أربعة نجوم كبار هم كينيث براناه، ومارك رايلانس، وتوم هاردي وسيليان مورفي، إضافة إلى عديد من الممثلين الشباب غير المعروفين، تصدرهم الممثل الشاب فيون وايتهيد. جعلت قيادة المخرج البارعة جميع المؤدين يظهرون بمستوى رفيع. كما استعان بفريق تقني سبق أن عمل معه معظمه في أكثر من فيلم ناجح، تصدرهم مدير التصوير السويسري هويت فان هويتيما، والمونتير لي سميث، والملحن هانز زيمر. جدير بالذكر، أن كريستوفر نولان صوّر فيلمه بكاميرا 70 مم، وعرض لعشاق السينما بهذه الصورة الدقيقة، فضلاً عن عروض الديجيتال.

القصة السائدة والمتعارف عليها إعلامياً أن أدولف هتلر أمر بوقف الهجوم على دَنكيرك قبيل عميلة الإخلاء التي جاءت بأوامر من رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الذي استلم منصبه قبلها بفترة وجيزة جداً. لكن الحقيقة مختلفة، إذ أن وقف الهجوم الألماني الكاسح، الذي كان من شأنه إفناء مئات الآلاف من الجنود الإنكليز المحاصرين في دَنكيرك جاء بناء على قرار من ثلاثة جنرالات ألمان كبار، بسبب فقدان سلاح المدرعات 50 في المئة من قوته، واحتياجه إلى زمن لوصول الإمدادات الاحتياطية. لم يسع فيلم كريستوفر نولان إلى تصحيح تلك المعلومة المغلوطة عن الواقعة التاريخية، بل ركز جلَّ اهتمامه على الجانب الإنساني لعملية الإخلاء، وللصراع المحتدم جواً وبحراً وبراً.

ينقسم فيلم "دَنكيرك" إلى ثلاثة مواقع، انتقل المخرج بينها بسلاسة جيئة وذهاباً: الشاطئ حيث تتواجد القوات المكشوفة التواقة للرحيل، البحر حيث تتم عملية الإخلاء على السفن، والجو حيث الصراع المحتدم بين الطائرات المقاتلة. لا يظهر الألمان في الفيلم إلا في لقطات قصيرة نادرة، أبرزها صورة ضبابية لجنود في آخر الفيلم يظهرون من وراء تل لاعتقال جندي. يختلف فيلم "دَنكيرك" عن عديد من الأفلام الحربية الأخرى التي يعرفها المشاهد، إذ أنه فيلم دون بطل، والبطولة فيه جماعية. هو أيضاً فيلم بلا حبكة درامية، فقصصه المتعددة أشبه بتسجيل وثائقي لسلوك أفراد ضمن إطار عملية إنقاذ تاريخية من موت عبثي كان يحصد أرواح شباب بلا حولٍ ولا قوة. لا يتجاوز حوار توم هاردي وهو يقود الطائرة الحربية بضع جمل متفرقة، بل قليلاً ما يظهر المخرج ملامح وجهه تحت قناع الطيار. أما سيليان مورفي فلعب بإتقان دور الجبان. تألق مارك رايلانس في دور الأب الكهل الذي يخاطر بروحه وبأعز ما يملك من أجل واجب إنقاذ أبناء وطنه من موتٍ محقق تحت وطأة الحصار الألماني. بدوره، ملأ كينيث براناه شخصيته كجنرال بحضور حساس ومرهف، خاصة حين نجحت عملية الإنقاذ، وقرر البقاء في موقعه للعمل على إنقاذ الجنود الفرنسيين بعد أقرانهم الإنكليز.

يحار المرء فيما إذا كان حرص كريستوفر نولان على عدم تعزيز التوتر لدى المشاهد، وتجنب السعي إلى تصاعده، ميزة أم نقيصة! نراه يعمد في "دَنكيرك" إلى تقطيع الأحداث بطريقة أشبه ما تكون ببرتولد برشت في المسرح، أي أنه كلما تحركت عواطفنا كمشاهدين، وتفاعلنا حماسة أو خشية أو تعاطفاً أو خيبة أمل، انتقل بنا بشكل مفاجئ إلى مشهد جديد في موقع مختلف. بالتالي، يتركنا نولان مع فيلم حربي مختلف عن معظم ما في تاريخ السينما من أفلام. لم يكن غريباً أن يحوز فيلم كريستوفر نولان تقييما بـ 8.6 بشكل وازى فيلم "إنقاذ العريف رايان" للمخرج ستيفن سبيلبرغ، وبذلك كسب التحدي، وأضاف صفحة جديدة مشرقة إلى سجل تاريخه الحافل بالإنجازات.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG