Accessibility links

إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث 5: الخديوي إسماعيل


الخديوي إسماعيل

بقلم صامويل تادرس/

ما يزال الحديث عن الخديوي إسماعيل، رغم مرور قرابة القرن والنصف علي عزله من ولاية مصر، مثيراً للجدل. لا يختلف كثيرون على أهمية الرجل الذي حكم مصر من ١٨٦٣ إلى ١٨٧٩. انقسام على كيفية النظر إليه. هل هو الرجل الذي أدخل الحداثة إلى البلاد أم من أودى بها إلى التهلكة. كثيرة هي التغيرات التي شهدها عصره من قانون المقابلة عام ١٨٧١ الذي أدى إلى نشوء الملكية الزراعية، إنشاء أول مجلس نيابي مصري في ١٨٦٦، دار الأوبرا والجمعية الجغرافية، كلها إنجازات تحسب له. من ناحية أخرى هو الرجل الذي أدى بمصر إلى الإفلاس نتيجة بذخه وتبذيره للأموال مما أدى بعدها في ثلاث سنوات إلى الاحتلال الإنكليزي. هذا الانقسام انعكس على طريقة وصفه في المناهج التعليمية المصرية منذ انقلاب ١٩٥٢ بين النقد والاحتفال. ليس هناك مساحة رمادية مع إسماعيل.

عصر الخديوي إسماعيل تميز بأمر آخر. قبله توجد ندرة في المصادر التاريخية الأولية باستثناء الوثائق الرسمية. بعد الجبرتي لم يبرز مؤرخ مصري لفترة من الزمن و باستثناء كلوت بك لم يسجل المسؤولون في عصر محمد علي، عباس، أو سعيد مذكراتهم. في تقييمنا لعصر إسماعيل نحن أمام وثيقة في غاية الأهمية: مذكرات نوبار باشا.

رغم أن نوبار هو أول رئيس وزراء في تاريخ مصر، وهو المنصب الذي تولاه ثلاث مرات ١٨٧٨-١٨٧٩، ١٨٨٤-١٨٨٨ و-١٨٩٤-١٨٩٥، فإن الرجل يكاد يكون غائباً عن الذاكرة المصرية. ربما كان الأمر راجعاً إلى كونه أرمنياً مما أخرجه من نطاق المفهوم الذي تبنته مختلف القوى السياسية والفكرية للهوية المصرية. نفس التجاهل حظيت به مذكراته التي لم تنشر بالعربية إلا في ٢٠٠٩. رغم ذلك المذكرات التي تحتل أكثر من ٧٠٠ صفحة، في غاية الأهمية. ولد نوبار عام ١٨٢٥، كان خاله بوغوص بك يوسفيان أحد أهم مساعدي محمد علي. إلتحق نوبار بخدمة محمد علي عام ١٨٤١، وتولى مناصب هامة تحت حكم إبراهيم، عباس، سعيد، إسماعيل، توفيق، وعباس حلمي. هو إذاً أحد أهم الشهود على هذه العصور من تاريخ مصر.

نوبار الذي نتعرف عليه في المذكرات هو مصري حتي النخاع: "إني أحب مصر ولا أستطيع العيش في سواها، ولكن طالما الأوروبيون في البلاد بلا رادع وبلا قوانين فسيكون من المستحيل علي أن أعيش فيها". تحليله لواقع الأحوال بمصر ملفت للنظر: "إن المصري بطبعه موظف، بل أن الوظيفة تمثل بالنسبة له السلطة". يحذر من اندفاع إسماعيل إلى التورط في حروب في أفريقيا: "كان الجميع يعمل كما لو كنا قوة عسكرية عظمى". يشخص أزمة مصر مع الحداثة: "لم نكن سوى أشخاص في حالة انبهار".

الأهم أننا نتعرف على نوبار كصاحب مشروع فكري وسياسي. نوبار لا يخشى مشروع التحديث أو كثافة الهجرة الأوروبية إلى مصر. لكن هذا التغلغل الأوروبي يجب تنظيمه. الأوروبيون محميون بالامتيازات الأجنبية التي منحتها الدولة العثمانية. تحت هذا الوضع المشوه لا يمكن لمصر أن تتقدم. الحل في إقامة المحاكم المختلطة. هذا الهدف يشغل بال نوبار طوال حياته. للمحاكم هدف آخر: "نحتاج أن تكون لنا محاكم تحمينا من الأوروبي ومن الوالي أيضاً. نحتاج إلى محاكم حتى نتمكن من الحياة في أمان وكرامة". قبل هذا العصر كان يمكن للوالي أن يفعل ما يشاء. الهدف إذاً هو السلطة المقيدة بالقانون. "حمايتها من نزوات وحكم السلطة المطلقة للوالي". بعكس أوروبا غابت عن مصر حتى تلك اللحظة المؤسسات التي تحد من السلطة المطلقة: "إن سلطة الوالى في مصر عظيمة لا شيء يحول بينه وبين الشعب: لا طبقة وسطي ولا لجان مكونة ولا مؤسسات". الفكرة ليست هي الديموقراطية الحديثة بل "ستكون لنا يا مصريين ماجنا كارتا". الهدف الثاني الذي يشغل نوبار هو إلغاء نظام السخرة. ليس الأمر متعلقاً فقط بالفكرة الإنسانية الرافضة للسخرة. "القصد إدخال نظام العمل الحر المدفوع الأجر إلى مصر". نوبار الذي نقابله هو إذاً ليبرالي كلاسيكي.

في مذكراته نوبار يقدر محمد علي، ينبهر بإبراهيم، يتفهم شخصية عباس، غير معجب بسعيد. الأهم هو مدى عدم إعجابه بإسماعيل الذي يحتل أكثر من نصف المذكرات. حين يبلغه خبر وفاة أحمد رفعت، أخي إسماعيل الأكبر الذي كان سيتولي مصر بعد موت سعيد، يصرخ "إنها كارثة عظيمة. لقد ضاعت مصر". يكتب بعدها عن إسماعيل "ضياعه وضياع مصر كان أمراً مكتوباً على يديه". إسماعيل في نظره مجرد شخصية ضعيفة انبهرت بأوربا ورغبت في إرضائها: "أكان لديه أي أهداف أخرى غير أن يقال عنه إنه أمير ليبرالي ومستنير؟" إسماعيل ينشىء مدرسة للبنات، "لتشاهدها إمبراطورة فرنسا". نظره نوبار إلى إسماعيل تكونت منذ اللحظة الأولى. في اليوم الذي تولى فيه الحكم يطلب من نوبار أن يكتب له خطبه ليلقيها في استقبال القناصل. لم يفعلها حاكم مصري قبله. ماذا يريد منه أن يكتب؟ يتساءل نوبار. إسماعيل لا يهتم. هو يريد المنظر لا الجوهر. "يبدو أن الأبهة وتقاليد المراسم المتبعة في قصور أوربا استهوت إسماعيل".

الأمر لا يتوقف على المظاهر. "الحقيقة إن إسماعيل وجد مصر صغيرة عليه". في البداية يحلم إسماعيل بالحصول على سورية. نوبار لا يتحمس ويوجه أنظاره إلى السودان. في مفاوضاته مع شركة قناة السويس هو متهور يبدأ المفاوضات بالإعراب عن استعداده لدفع تعويض باهظ. حين تنتشر الكوليرا في البلاد، يهرب من الإسكندرية. يعد الأوروبيين بإلغاء الرق دون أن يكون لديه أي فكرة عن كيفية تنفيذ هذا والعقبات التي ستواجهه. يرسل حملة على زنجبار دون أي تفكير في العواقب أو الإعداد لها. يسخر منه حاكم زنجبار بإعادة الأسطول المصري محملاً بالفحم بعد توهانه. ربما كانت المأساه الكبرى في حربه على الحبشة. يرسل إسماعيل الجيش رغبةً في الحصول على إمبراطورية. دول أوروبا الكبرى كلها لديها إمبراطورية في أفريقيا وهو يريد أن يكون مثلهم. يقول للقناصل يوم إرسال الجيش "دولتي لم تعد في أفريقيا. هي الآن في أوروبا". الحرب تنتهي بهزيمة بشعة في نوفمبر ١٨٧٥. لا يعي إسماعيل الدرس. يعيد إرسال الجيش. نوبار يحكي قصة طريفة ومؤلمة عن الحرب الثانية. كان خارج السلطة في تلك الفترة. سمع دوي المدافع في القاهرة، تساءل عن السبب، قيل له إننا انتصرنا في الحرب، رأى من واجبه أن يهنىء الوالي. يذهب نوبار إلى القصر، يستقبله إسماعيل محرجاً. يكتشف نوبار بعدها إن مصر هُزمت هزيمة بشعة وأبيد الجيش المصري. قبل عبد الناصر وإعلام محمد حسنين هيكل وأكاذيبه، كان إسماعيل ومدافعه إذاً.

القصة الأهم في مذكرات نوبار وعصر إسماعيل تتعلق بملكية الأراضي الزراعية. لم تعرف مصر الملكية الفردية للأراضي في عصر محمد علي. سعيد أعلن لائحة الأطيان في ٢٧ يناير ١٨٥٥ وتبعها باللائحة السعيدية في ٥ أغسطس ١٨٥٨. أعطى سعيد مستغلي الأرض حق التوريث، حق الرهن، وحق بيع ما يحدثوه في الأرض، لكنها لم تكن ملكية خاصة. كان يمكن للوالي أن يستولي عليها في أي لحظة. في عام ١٨٧١ يجد إسماعيل نفسه في أزمة مالية حاده. يبحث عن الأموال باي طريقة. يقترح عليه وزير ماليته إسماعيل باشا المفتش قانون المقابله. القانون يعطي الملكية الزراعية الكاملة لأول مرة. المنتفع يحصل على حق الهبة، التوارث، الإسقاط، الوصاية، الوقف، والحصول على ثمن مقابل التخلي عن الأرض للمنفعة العامة. كل هذا مقابل دفع ستة أمثال الضريبة مرة واحدة. القانون من الناحية الاقتصادية لم يكن مفيداً للخزانة العامة. لماذا اقترحه المفتش إذاً؟ في مذكرات نوبار نجد الإجابة. المفتش وغيره كانوا يخافون على ممتلكاتهم من إسماعيل. أرادوا حمايتها بالقانون. يقول المفتش لنوبار "أقم المحاكم لأنه حينذاك سنكون مطمئنين حقاً على أملاكنا". بهذه الطريقة عرفت مصر الملكية الفردية للأراضي الزراعية. لم يستمتع المفتش بنجاحه طويلاً. في نوفمبر ١٨٧٦ سيقتله إسماعيل.

أين الأقباط في كل هذه القصة؟ يحكي نوبار قصة غريبة عن إسماعيل قبل توليه السلطة. عين سعيد أخا نوبار، اركيل حاكماً علي السودان عام ١٨٥٦. رفض إسماعيل القرار قائلاً "لكنه كافر ملحد". بعيداً عن مدى حقيقة هذه القصة، كان عصر إسماعيل هو أول عصر يتمتع فيه الأقباط بحقوق. قام إسماعيل بتعيين أقباط كقضاة لأول مرة في تاريخ مصر. حين أنشأ أول مجلس نيابي عين به اثنين من الأقباط. تبرع بأراضي زراعية للمدارس التي أنشأها البابا كيرلس الرابع. أمر بجلسات للنصح والإرشاد لمن يريد أن يسلم للتأكد أنها رغبته الحقيقية دون أي ضغوط. سامح إسماعيل ببناء الكنائس في مدن كان ممنوعاً على الأقباط بناء الكنائس بها: المنصورة ١٨٦٨، كفر الشيخ ١٨٧١، بلقاس ١٨٧١، ونبروه ١٨٧٧. أدخل الأقباط إلى المدارس الحكومية وأرسل الكثير منهم إلى الخارج في البعثات التعليمية. رغم ذلك بقيت أبواب المدارس العليا مغلقة أمامهم. تزامنت فترة إسماعيل مع بابوية البابا ديمتريوس الثاني. إنشغل البابا بمواجهات خطر الإرساليات البروتستانتية،

طوال فترة حكمه كان إسماعيل يحاول موازنة أخطار متعددة لاستقلال مصر من الدولة العثمانية وأوربا. الموازنات فشلت في النهاية مع الأزمة الاقتصادية التي تسببت فيها سياسته المالية. مع آخر سنين حكمه برز لاعب آخر: حركة سياسية مصرية ناشئة تضم كبار ملاك وظباط في الجيش. حين أنشأ إسماعيل المجلس النيابي عام ١٨٦٦ كان أقرب إلى المسرحية. حين قيل للنواب أن مؤيدي الحكومة يجلسون في اليمين ومعارضيها في اليسار إنتقل كل النواب إلى اليمين قائلين "كلنا مؤيدون لحكومة أفندينا". هذه البداية غير المبشرة سرعان ما انقلبت إلى حركة سياسية نشطة. رغم ذلك من الملاحظ الغياب التام للأقباط عن هذه الحركة في عصر إسماعيل. البذور التي زرعها كيرلس الرابع لم تنضج بعد.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG