Accessibility links

مصر: صراع السلطة بين الثيوقراطية والعسكرتاريا باسم الديمقراطية المعتقلة


المدون وائل عباس

بقلم مالك العثامنة/

يحدثني الصديق المثقف الأردني الساخر عارف البطوش أنه وفي زيارة إلى مصر أيام رئاسة الرئيس المصري السابق محمد مرسي، قام بجولة في الأهرامات، وأنه حين وصل إلى مدفن الفرعون في أحد الأهرامات، وكان المدفن خاليا، مازح الدليل السياحي المصري متسائلا: "إنتو وديتو (أرسلتوا) فرعون فين؟". فأجابه الدليل بخفة دم مصرية معهودة: "ما راحش (لم يذهب) بعيد، وديناه قصر الاتحادية بس!".

النكتة على طرافتها الشديدة، فإن كم السخرية فيها يحمل ما يحمل من واقع موجع لمصر في القرن الواحد والعشرين، والتي لم تعرف منذ الأسر الفرعونية التي بنت الأهرامات إلا سلالات مختلفة (ملكية وجمهورية) من ذات الإنتاج الفرعوني حتى اليوم، حتى صار كل "هامان" ينقلب على فرعونه ليصبح بديله الفرعوني الجديد.

اليوم، الحال يبدو أسوأ من تاريخ واقعة تلك النكتة الحية في الهرم، بل إن الواقع اليوم حسب التقارير اليومية الواردة من مصر في كل نشرات الأخبار العالمية هو أسوأ بكثير من واقع ثورة يناير عام 2011.

القصة لا تقف عند وائل عباس ويبدو أنها لن تنتهي عنده

قبل أيام قليلة من كتابة هذا المقال، تم اعتقال الناشط المصري الشهير والمثير للجدل وائل عباس، وهو أحد رموز شباب ثورة يناير وأحد أهم أبرز رموز حرية التعبير التي اكتسب رمزيتها بجهده كمدون حقيقي للأحداث واليوميات وتوثيقه الحرفي لانتهاكات حقوق الإنسان التي كانت علامة بارزة لعناصر وزارة الداخلية المصرية وجهاز الشرطة.

اقرأ للكاتب أيضا: احتقار نون النسوة وتاء التأنيث في العالم العربي

أنا من متابعي وائل عباس على موقع فيسبوك، وهو أحد النوافذ القليلة التي أثق فيها وأطل منها على ما يحدث من وقائع يومية في مصر. لست مغرما أحيانا بنزقه الشديد اتجاه زملائه ورفاقه من ناشطين وإعلاميين وسياسيين أعرفهم، لكن تلك حكاية أخرى، كما أنها صارت علامة فارقة للرجل الذي تميز بحبه الشديد للحرية وكرهه الشديد للقمع والدكتاتورية.

وكعادتي كل يوم، قمت "بالتصبيح على مصر" بزيارة صفحة صاحب مدونة "الوعي المصري" الشهيرة لأجد إدراجا بسيطا من ثلاث كلمات يقول فيه عباس "أنا بيتقبض عليا"، لنكتشف بعد قليل وعبر تعليقات ناشطين يعرفون الرجل أن زوار الليل بكروا بزيارتهم فجرا واقتادوا الرجل لجهة غير معلومة حتى الآن.

ميزة الرجل (رغم نزقه الشخصي) أنه لم يهادن في سبيل مواقفه التي يؤمن بها خصوصا في مجالي حقوق الإنسان وحرية التعبير، ومطالبته المستمرة بدولة المؤسسات. فهو كان معارضا شرسا لنظام مبارك، وكذلك على قدر حماسه في ثورة يناير التي كان من ناشطيها المعروفين عارض بشدة تيار الإخوان المسلمين ورئاسة محمد مرسي، وبعد الانقلاب العسكري الأغرب من نوعه في التاريخ بقي معارضا لسلطة العسكر وحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي وبلا هوادة.

في كثير من كتاباته تجده ناقدا حتى للتاريخ الذي لم يعاصره شخصيا في مرحلة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر الذي اتهمه بالإجرام أكثر من مرة، وكذلك في انتقاده لسياسات كثيرة انتهجها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات.

الواقع حسب التقارير اليومية الواردة من مصر في كل نشرات الأخبار العالمية هو أسوأ بكثير من واقع ثورة يناير عام 2011

القصة لا تقف عند وائل عباس ويبدو أنها لن تنتهي عنده. كما أنه لم يكن أول المعتقلين ضحايا الثورة التي لم تأكل أبناءها وحسب بل افترستهم بلا رحمة. لكن حكاية الثورة المصرية التي بدأت في يناير عام 2011، لم تنته بعد والدليل أن ما قامت من أجله تلك الثورة لم يتحقق بعد؛ فبعد حكم ثيوقراطي ديني حاول اختطاف الثورة ثم السلطة لتحقيق ديكتاتورية الدين المبنية على أسس ومبادئ سيد قطب الذي وضع معالم طريقها للوصول إلى دولة إقصاء كل آخر ثم الانقلاب على هذا المشروع الثيوقراطي الديني عبر سلطة عسكرية وطدت نفسها بديلا بصفة المنقذ للأمة، ضاعت طاسة الثورة، وراحت أهداف الدولة المدنية الديمقراطية المبنية على القانون والمؤسسات في ذمة ديكتاتورية عسكرية بوليسية استطاعت إعادة إنتاج نفسها من جديد لكن بشكل أكثر ضراوة وبسقف أكثر انخفاضا في حريات التعبير وفي مجال حقوق الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: ذهنية "الـ +18" في التعليقات وربط العلمانية والمدنية بالجنس

أكثر ما يلفت في تحولات وائل عباس الفكرية، كناشط وسياسي هو تلك العلاقة العكسية بين حماسه "الثوري" المتأجج عبر كل ما يتاح له من منابر، وفتور إيمانه بوجود دعم من الدول الديمقراطية (الغرب عموما) لأي عملية إصلاح حقيقي في مصر، حيث يقول عباس في إحدى المقابلات التلفزيونية:

"لم يعد الغرب يهتم بدعم الحريات والديمقراطيات، فقد تشكلت لديهم فوبيا اللاجئين بعد حرب سورية والعراق وتوافد اللاجئين إليهم"، واستطرد في طرح قناعة لافتة للانتباه بقوله:" إن الغرب مضطر لدعم السيسي وإلا سيكون هناك آلاف من القوارب التي تحمل اللاجئين إلى الغرب".

ملاحظته تلك، جعلتني أفكر فيما لو صحت تلك الفرضية، فما الذي يحدث لو غيرنا في العالم العربي بإرادة حقيقية نحو دول علمانية ومؤسسات وحقوق ومواطنة صحية، فتتجه آلاف القوارب والطائرات بالعائدين نحو أوطانهم وقد تحقق الحلم؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG