Accessibility links

بابا روما وأفندينا في الباب العالي.. تشفير الهدايا و خفايا البروتوكول


زيارة أردوغان للفاتيكان هي أول زيارة لرئيس تركي منذ 59 عاما (أ ف ب)

بقلم مالك العثامنة/

لا تخلو بروتوكولات الزعماء والرؤساء في تبادلهم الهدايا من رسائل رمزية غالبا ما تكون مكثفة وتعطي دلالات ومقاصد قد لا تتحملها العبارات الصريحة.

على سبيل المثال، كنت أسمع مثلا من أشخاص كانوا قريبين ومقربين من الملك الأردني الراحل حسين بن طلال عن أنه كان سيد الإشارات بالهدايا التي يهديها خصوصا مع ملك السعودية الراحل فهد بن عبد العزيز. وقد تذكرت حكاية شفهية سمعتها من أكثر من مصدر عن عشاء تخللته هدية، باغتت بتوقيتها، الملك حسين قدمها له "بغضب" الملك السعودي الراحل وكانت سيفا مذهبا. وبحسب الرواة فإن الحسين أيضا غضب وعض على فكه بشدة ثم خلع من يده ساعته وأهداها للملك السعودي.

وبحسب الرواة، فإن فك الشيفرة لهذا المشهد كانت أن ابن عبد العزيز قصد بالسيف أن يقول للملك الهاشمي إن ابن سعود أخذ الحجاز بالقوة من أجداد الملك. وهذا سر غضب الملك الأردني الذي أسعفته بديهته فأهدى الساعة التي في يده لابن عبد العزيز ليقول له "إن الدنيا دوارة، والزمن سيعود بهم إلى الحجاز" وهو ما أثار أعصاب ملك السعودية والذي قام منهيا حفل العشاء.. ودائما بحسب الرواة.

هي حكاية لا توثقها وثيقة ولا يؤرشفها خبر أو صورة.. تواترها من كانوا بجانب الملك حسين وسمعتها منهم، ولا أشكك بصحتها ولا أؤكد كذلك حدوثها.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لكن الحكايات في بروتوكولات الهدايا أحيانا تكون موثقة، وتفكيك رموزها ليس صعبا إن كنت ملما بشيء من التاريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: الدولة المدنية في الأردن... حزب قادم للسلطة مع وقف التنفيذ

في الخامس من شباط/فبراير الماضي، كانت أول زيارة لرئيس تركي إلى حاضرة الفاتيكان منذ 59 عاما، حيث زار الرئيس التركي "المثير للجدل دوما" رجب طيب أردوغان روما للقاء قمة مع البابا فرانسيس ردا على زيارة الأخير إلى تركيا عام 2014.

يتقن سيد الباب العالي، الطامح لأن يكون أكثر من رئيس جمهورية، رجب طيب أردوغان، إثارة الأزمات بطريقته الشخصية

تلك الزيارة التي استضاف فيها الرئيس التركي بابا الفاتيكان متباهيا بقصره الفخم المؤلف من ألف غرفة، والممتد على مساحة 200 ألف متر مربع، أي أقل بقليل من نصف مساحة الفاتيكان، بينما يعيش بابا روما في شقة متواضعة مساحتها 50 متر مربع. كانت الزيارة فاترة في حينها، استغل فيها أردوغان وجود البابا ليندد بمسألة "معاداة الإسلام" متهما الغرب بمسؤوليته في تصاعد "الأصولية الإسلامية المتطرفة"!

في القمة الأخيرة بين أردوغان، الذي يستمتع بتنصيبه، فخريا، كزعيم للعالم السني الإسلامي، وبين رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، تأخر سيد الباب العالي الحديث عن موعده قليلا مما جعل اللقاء يبدأ بتجهم بابوي سرعان ما انقشع عند تبادل الهدايا، وهي اللحظة الوحيدة في القمة التي حملت دلالات مكثفة لم تقلها التصريحات المعلنة بين الطرفين.

البابا، المثير للجدل أيضا والمشهور بتواضعه الشديد وآرائه الثورية الهادئة، أهدى سيد الباب العالي، ميدالية برونزية تصور ملاك سلام يحارب تنين الشر، وعلق البابا بقوله إن ملاك السلام هذا يخنق شيطان الحرب! قالها البابا لأردوغان، الذي يخوض جيشه حربا في عفرين السورية يصفها البعض بإبادة للأكراد في عقر دارهم. (البابا وللمفارقة، أهدى ذات الميدالية للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عام 2014).

في هدية أردوغان لؤما سياسيا أراد به تذكير بابا روما، ببيزنطة القسطنطينية، أحد أهم المدن المسيحية في التاريخ قبل غزوها من قبل محمد الفاتح

طبعا لن يفوت أردوغان تلك الفرصة دون أن يعيد الهدية لبابا روما، فقدم بدوره إلى الحبر الاعظم لوحة خزفية كبرى عن اسطنبول، تظهر فيها بوضوح قبة كاتدرائية القديسة صوفيا التي حولها العثمانيون مسجدا في القرن الخامس عشر، وكذلك المسجد الأزرق الشهير.

رسالة واضحة المعالم، تذكرت فورا بعد متابعتها بالصوت والصورة الحكاية التي سمعتها عن هدية الملك السعودي فهد إلى الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال، السيف الذي أراد به تذكير الملك الهاشمي بالحجاز التي خسر ملكها أجداده بالسيف والتواطؤ الإنجليزي. ولعل في هدية أردوغان لؤما سياسيا أراد به تذكير بابا روما، ببيزنطة القسطنطينية، أحد أهم المدن المسيحية في التاريخ قبل غزوها من قبل محمد الفاتح وتحويلها إلى مدينة تركية بالكامل وتحويل كاتدرائيتها الأشهر إلى جامع ثم إلى متحف في عهد أتاتورك.

اقرأ للكاتب أيضا: القضية رقم 23، الإهانة في عدم الاعتذار

لست متأكدا إن كان البابا فرنسيس سيعلق اللوحة الخزفية في غرفة مكتبه لتذكره بمأساة تحويل كاتدرائية "آجيا صوفيا" والتي لها قدسيتها عند المسيحيين إلى جامع "آيا صوفيا" بقوة السيف. وفي حسابات الزمان والأعداد كان مبنى "آيا صوفيا" على مدار 916 عاما كتدرائية ولمدة 481 عاما مسجدا، إلى أن قرر كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة (الجمهورية التي يترأسها أردوغان نفسه اليوم) عام 1935 جعل المبنى متحفا ليحسم بطريقته العلمانية أزمة الوصاية الدينية على المكان.

يتقن سيد الباب العالي، الطامح لأن يكون أكثر من رئيس جمهورية، رجب طيب أردوغان إثارة الأزمات بطريقته الشخصية. وتلك اللوحة الخزفية التي أهداها لبابا الفاتيكان، وسط مطالبته لأوروبا بفرض ضم تركيا للاتحاد الأوروبي وبأنه لا يقبل أي خيار آخر، تجعلني أفكر برمزية الهدية وأتعمق في دلالاتها وسط كل التصريحات السياسية المعلنة لأردوغان. ومن أبرز هذه التصريحات، تبنيه حملة جمعية "شباب الأناضول" الإسلامية الناشطة في مدينة إسطنبول. وقد قامت هذه الجمعية في 31 أيار/مايو 2014 بتنظيم فعالية لصلاة الفجر في ساحة المتحف ـ المسجد تحت شعار "أحضر سجادتك وتعال"، وذلك في إطار حملة تدعو إلى إعادة متحف "آيا صوفيا" إلى مسجد. وقد جمعت الجمعية 15 مليون توقيع للمطالبة بإعادة المتحف إلى مسجد، لكن الدعوة لقيت رفضا عبر عنه مستشار أردوغان بقوله إن لا نية لدى الدولة "حاليا" لتحويل المتحف على مسجد.

ببساطة وصراحة واختصار..

أكثر ما يقلق اليوم، مفردة "حاليا" تلك في التصريح الرسمي، فهي تعني أن الكنيسة ـ المسجد قد تصبح ورقة سياسية في يد الرئيس التركي يلوح بها لإثارة نزعات ومشاعر العالم المسيحي لندخل معه في متاهة جديدة من صراع الأديان. وأردوغان ـ تحديدا ـ من أمهر اللاعبين بنيران هذا الصراع الذي يعصف بالشرق الأوسط ويبدو أنه سينتقل مع ورقة اللاجئين التي يلوح بها أردوغان إلى ميادين جديدة لا أحد يعرف منتهاها.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG