Accessibility links

فئران التجارب


فشلت محاولات تحييد الأطفال والمدنيين (أ ف ب)

بقلم كوليت بهنا/

تحت الأنقاض المتراكمة، عثرت الأم على طفلها. ما زال حيا، لكنه مهشم الجمجمة وقد ضاع جزء منها، وبدا أن كل دقيقة تمر على الصغير تعني عذابا يصعب وصفه، فطلبت من المسعفين إنهاء حياته لأنها لم تكن قادرة على تحمل آلامه أمام مرأى من عينيها.

هذه واحدة من آلاف القصص الموجعة التي ترددت مؤخرا مع استمرار معاناة المدنيين في الغوطة الشرقية المتاخمة للعاصمة السورية دمشق إثر العمليات الحربية الأخيرة الأعنف عليها. قصص أشدها إيلاما ما يتعلق بمصائر الأطفال الذين أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" مؤخرا عجزها التام عن الكلام في توصيف معاناتهم في الحرب السورية وفشل كل محاولات تحييدهم وتحييد كافة المدنيين في كل المناطق السورية.

قصص لا يمكن حصرها بتوصيف طرق موتهم الفظائعي فحسب، بل تمتد إلى تفاصيل معاناة مستمرة وطويلة تقترب من خمس سنوات حصار كفيلة بإنهاء حياة من لم تقض عليه القذائف، ابتداء بالغلاء الفاحش للمواد الغذائية الأساسية داخل الغوطة، وعدم توفر أبسط مستلزمات حقوق الطفل من ملابس وتعليم وألعاب، مرورا بقرب انهيار جسدي ومعنوي مع استمرار بقاء الأطفال بحالة رعب لا تنتهي في المساحات الضيقة من أقبية رطبة تفوح منها رائحة الدماء وانتقال عدوى الأمراض بينهم.

اقرأ للكاتبة أيضا: هذه هي الغوطة

أطفال الغوطة ليسوا الوحيدين وإن كانوا الأشد معاناة عن أقرانهم قاطبة، إذ توصلت دراسة أجرتها منظمة "أنقذوا الطفولة" (Save the Children)، وهي منظمة بريطانية غير حكومية، في سبع محافظات سورية إلى نتائج مؤلمة تفيد بوصول الطفل السوري إلى نقطة اللاعودة بعد تعرضه للضغوط السامة وتدهور صحته العقلية، وبأن واحدا من بين كل أربعة أطفال في خطر تطوير اضطرابات في الصحة العقلية، وأن أكثر من 70% من الأطفال يعانون الأعراض من (الإجهاد السام) أو اضطراب ما بعد الصدمة مثل التبول اللاإرادي. كما أن 48% فقدوا القدرة على الكلام أو طوروا مشكلات واضطرابات في التواصل.

توصلت دراسة أجرتها منظمة "أنقذوا الطفولة" (Save the Children)، إلى نتائج مؤلمة تفيد بوصول الطفل السوري إلى نقطة اللاعودة بعد تعرضه للضغوط السامة وتدهور صحته العقلية

بالإضافة إلى معاناة الأطفال النازحين في دول الجوار من التعرض لقسوة العوامل البيئية والجوية والحرمان من التعليم وسوقهم إلى سوق العمل، كذلك المشاكل النفسية التي يعاني منها الأطفال الذين عاشوا تجربة الهروب أو خطر الغرق في البحار وأهوال البراري الشائكة في رحلتهم إلى دول اللجوء حيث لا يزال البعض منهم ممن فقد أسرته يعيش مكتئبا في محيط غريب، أو ينتظر إجراءات لم الشمل لمن تبقى من أسرته.

اقرأ للكاتبة أيضا: فصل من بشاعة الحرب

يفضي كل ما تقدم إلى أننا أمام كارثة مستقبلية مهولة قوامها الجيل الجديد.

من المعروف قبل عام 2011 أن نسبة الشباب كانت هي الأعلى في الشعب السوري، ومع انخراط عدد كبير منهم في الصراع المسلح بين الطرفين ومصرع الآلاف بينهم، أو تعرض العديد لإعاقات دائمة، أو هروب نسبة كبيرة بينهم خارج البلاد، يعني أن البلاد خسرت خسارة فادحة في قوة العنصر الشاب المعول عليه إنتاجيا، ومع النتائج المذكورة المؤسفة التي ألمت بالأطفال، أي الجيل الشاب القادم، كل هذا يشير إلى سوداوية المستقبل القريب جدا الذي تفصح عنه مؤشراته الصعبة منذ اللحظة.

أطفال العراق ليسوا بحال أفضل، ولا أطفال اليمن ولا أطفال ليبيا ولا فلسطين. دول يشهد العالم منذ سنوات محرقة أطفالها بل ويشاركون به، والقول إن العالم صامت وعاجز، هو مجرد كلام يباع للإعلام، لأن هذا العالم متواطئ حتى النخاع في ظل ضبابية القيم الانسانية أو مواربتها، دون أن تعفى الأطراف المعنية في الدول المنكوبة ذاتها من مسؤولياتها اتجاه ما يحدث وما آلت إليه أمور بلادها من خراب شامل.

اليوم، يستعرض الرئيس الروسي فلاديمير قوته العسكرية متفاخرا بأن العالم بات يعرف كل أسماء أسلحته. تلك هي الخلاصة باختصار، أطفالنا فئران تجارب لأسلحة العالم، ومن سينجو منهم، لن ينجو من دماره النفسي إلى أمد طويل ومرير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG