Accessibility links

بقلم كوليت بهنا/

تزامن رفع الحظر السوري الرسمي عن موقع فيسبوك في فبراير 2011 مع بدء الدعوات الإلكترونية الخافتة للحراك السلمي الذي برز إلى الشارع علناً في مارس من العام ذاته. منذ ذلك الحين، لم يلعب فيسبوك في سورية دوره المناط به كموقع للتواصل الاجتماعي يستخدمه عموم الناس حول العالم لنشر صورهم الشخصية أو العائلية وبعض المنشورات المرحة أو الأدبية أو الفنية، بل تحول بين عموم السوريين إلى وسيلة إلكترونية ذات طابع ثوري وسياسي يخدم نشر طروحاتهم وطموحاتهم للتغيير المنشود لدى الفئات التي تبنت الحراك السلمي من جهة، أو يخدم لجم هذه الطموحات ويقف ضدها لدى الفئات التي ناهضت الحراك من جهة أخرى. يمكن القول إنه مع استمرار الحدث السوري والتحولات الدموية والكارثية التي شهدها خلال السنوات السبع الفائتة، ساهم استخدام فيسبوك في بلورة الانشطار السوري الكبير وعززه، وعكست الحياة الافتراضية حقيقة الانقسام على أرض الواقع وتداعيات هذا الانقسام التاريخي الحاد.

مع المتابعة المستمرة للصفحات شبه الرسمية أو الشعبية المؤيدة، يمكن القول إن مشهد عالمهم الفيسبوكي الافتراضي، لم يغيره أو يبدله مرور الزمن. إذ لا يزال الخطاب المتداول هو كراهية وتخوين الجانب الآخر ونبذه وتحميله مسؤولية كل ما حدث من دمار، والإخلاص للثوابت ورموز السيادة الوطنية وتأييدها في كل الخطوات والقرارات، والمثابرة والصبر وتبرير أسباب كل البلاء الذي حلّ، وكأن الجميع يتحدث بصوت واحد، دون بروز أية انقسامات أو اعتراضات ملفتة. مع ملاحظة توسيع الهامش لنشر الاعتراضات اللفظية العنيفة والتذمر الحاد في ما يتعلق بأداء الحكومة أو غلاء المعيشة أو انتقاد ممارسات خاطئة ترتكب من قبل عناصر رسمية ومسلحة غير منضبطة.

يختلف الأمر كلياً في المقلب الآخر لأسباب جوهرية عدة، حيث لم يعد الجانب المعارض في سلة واحدة كما انطلق، وسجلت بداية الانقسامات الحادة مع تأييد أو رفض تسلح الثورة وأسلمة خطابها، مروراً بالاختلاف على ممثلي المعارضة وأجسامها المتعددة، والانقسامات التي ترافقت بخيبات أمل بعد فشل كل المواجهات العسكرية جراء حسابات خاطئة ورهانات على أجندات خارجية متضاربة المصالح، وصولا إلى صراع مئات الفصائل المسلحة في ما بينها، وتصدر التنظيمات الإرهابية المشهد السوري. انقسامات انعكست بوضوح على صفحات فيسبوك المعارضة، التي بدت وكأنها ملعب كبير للتناحر، ولم تعد الآراء المطروحة تمثل حالة طبيعية لاختلاف وجهات النظر، بل انقسامات قطعية تشمل أدق التفاصيل وأصغرها، ابتداء بالانقسام حول عمل فني أو رياضي أو حتى على حال الطقس، وصولا إلى تعدد رؤاها المستقبلية وانعكاساتها على طروحاتها السياسية التي تتجلى كانقسامات واضحة في تعدد الوفود والمنصات المشاركة مع كل جولة من مفاوضات جنيف.

يبرر البعض هذه الانقسامات على أنها دليل عافية للسوريين الذين حرموا من حرية التعبير عن الرأي، وبأن سورية المستقبل ستفسح المجال لجميع هذه الأصوات والخطابات المختلفة لممارسة حقها الديمقراطي، فيما يراقب المؤيدون هذه الانقسامات بشماتة وتشفي وبأنها نتيجة تشرذم طبيعية لخيانة الوطن. مع ملاحظة أن كلا الخطابين، المعارض والمؤيد، باتا متشابهين في العنف اللفظي والفرز الانقسامي إلى سوريي الداخل وسورييّ الخارج واتساع الهوة بينهما.

وإلى حين وضوح ملامح اليوم السوري المشتهى الذي يعيد لمّ شمل السوريين والذي ما زال يبدو ضبابياً وبعيداً، نشطت مؤخراً صفحات الفئة الثالثة التي سميت بالرمادية وظلت صامتة إلى حين، وعادت لفيسبوك كموقع للتواصل الاجتماعي ونشر صور السيلفي والعائلة اللذيذة والنكات والمقتطفات الأدبية أو الفنية، فيما يستمر فيسبوك بمراقبة الجميع بصمت، ليكون مستقبلاً أحد الشهود على حربهم الحقيقية والإلكترونية، وسجلاً لذاكرة سورية - غير افتراضية - مبللة بالدم والدموع والقهر.

---------------------
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG