Accessibility links

عن فيروز.. مدرسة الأخوين رحباني وأحلام 'ريما' المؤجلة بعد خيبات


فيروز

بقلم مالك العثامنة/

أواخر الثمانينات، كانت الصحافة المطبوعة نافذتنا على العالم، وكان من ضمن ما يقدمه أحد الفنون الصحفية تلك "الصورة الإخبارية" وهي تختلف عن التقرير المصور، فالصورة الإخبارية سرد تفصيلي يخلق الصورة في ذهن القارئ عن الحدث أو القصة المروية.

ولذا، كانت تلك القصة المكتوبة التي يجتهد الخيال والعقل لتشكيلها، ترسخ في الذاكرة، ومن هنا لا يزال يرسخ في ذاكرتي تقرير صورة إخبارية سردية في تلك الفترة المتزامنة مع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، تقرير إخباري بثته وكالة أنباء وتناقلته الصحف المطبوعة آنذاك عن عودة للسيدة فيروز إلى لبنان بعد سفر، وكيف أن موعد عودتها المعلن خلق حالة فانتازية من الهدنة بين كل الفصائل المتنازعة، فقررت تلك الفصائل يوم وصول السيدة إلى مطار بيروت أن تفتح كل حواجزها ومتاريسها في خط سير السيدة إلى بيتها، وأن ينكس كل المقاتلين على تلك المتاريس أسلحتهم في حضورها العابر. (وكان للسيدة منزلان في بيروت تقيم فيهما دوريا أيام الحرب الأهلية، أحدهما في الرابية حيث الأكثرية المسيحية والآخر في الروشة حيث الأكثرية مسلمة).

تلك الصورة الإخبارية المطبوعة بالأحرف السوداء، كانت كافية لتترك لمخيلة قارئها مساحات شاسعة لتلوينها بكل الألوان الممكنة، وكافية أيضا لتوضيح رمزية "السيدة فيروز" في المخيال اللبناني وفي الوجدان العربي على أوسع نطاق، وهي رمزية تتجاوز شخص السيدة الوقورة طوال مسيرتها الفنية الطويلة إلى حالة يوتوبيا وردية كانت بمثابة جنة الأحلام لكل عربي مقهور وجد في عالم الرحابنة تلك الأمنيات الوادعة.

الرحابنة كانوا يمارسون نفس فعل "الأديان" في ترغيب مريديهم، قدموا لهم فردوسا من أوطان وأناس فوق الغيم، وكانت فيروز التلاوة المقدسة لكل الكلام الحلو بصوت يسحبك بعيدا.

الأخوين رحباني حالة ثنائية فريدة شكلت في النهاية وحدة حال لمدرسة في الغناء والموسيقى والمسرح، أسسها عاصي ومنصور ومن تحت عباءة الحالة خرج إلياس وزياد كعبقريات موسيقية لم تنشق عن الأصل بل كانت مستقلة بتكوينها ومرتبطة بتأسيسها.

من مدهشات الحالة الرحبانية أنك أمام رجلين من إنطلياس، "ضيعة" من ضياع المتن اللبناني، ذابا في الموسيقى والشعر فاستطاعت الحالة أن تنبش في الربع الخالي نفسه لتعيد إحياء عنترة بن شداد مثلا، تلك الشخصية الغابرة جدا في التاريخ من قبيلة بني عبس، وتعيد إنتاجه من جديد فتنفض عنه مخملية الصوت الفيروزي كثبان الرمل بغنائها "لو كان قلبي معي.." وبدمج تاريخي فانتازي كمقدمة لموشحات أندلسية متأخرة عن عنترة بمئات السنين منتقاة بعناية فتصبح خطوط الطول ودوائر العرض عدما لا وجود له في حضرة الموسيقى الرحبانية.

تلك الحالة ذاتها التي أعادت الاعتبار لشخصية قلقة ومقلقة في تاريخ الشعر والسياسة العربية الإسلامية، مثل أبي نواس، الحسن بن هانيء، فقام الرحابنة وبهدوء شديد بإحياء أرق غزله في مواجهة تاريخية متأخرة أمام تيار سلفي شوه سيرة الحسن بن هانيء لأسباب سياسية فصوره بالخالع العابث والكحولي المدمن صاحب الميول البيدوفيلية، فكانت رائعته بصوت فيروز "حامل الهوى تعب" ردا موسيقيا مفحما على التشويه التاريخي.

عمليا وواقعيا (باستثناء زياد) كان الرحابنة دوما فوق الانحيازات السياسية والخنادق الطائفية، ورغم انتمائهما المسيحي للطائفة الأرثوذكسية استطاعا التحليق بارتفاعات شاهقة فوق كل وقائع التشظي الطائفي والديني وتجاوز الهويات بأعمال موسيقية و فنية مسرحية وسينمائية كانت دوما تصور تلك اليوتوبيا الجميلة التي لا تجد فيها أثرا لدين أو طائفة أو عرق متفوق، فقط كانت لغة الشخوص "لبنانية" غالبا في الأعمال المسرحية والسينمائية والحوار محض إنساني.

هذا "الزهد" بالتعاطي مع السياسة لم يمنع الأخوين رحباني من التأليف في السياسة، لكن ضمن ذات منظومة اليوتوبيا الرحبانية الخاصة، ورغم أن زياد الرحباني في مقابلة تلفزيونية له أكد أن اجتماعات "كتائبية" كانت تنعقد في بيت عاصي في الرابية وأنه في سياق شغبه كان يسجل سرا تلك الاجتماعات، إلا أن الرحابنة عموما استطاعوا أن يخترقوا الانحيازات السياسية فانهمكوا في تقديم رسائلهم الملونة بكل ألوان الطيف عبر الموسيقى والمسرحيات فكانت الثيمة الأساسية هي "الحب" لكن الخلفية لم تخل من إسقاطات سياسية توارت خلف الحدث التاريخي أو الأسطوري مثل مسرحية " آخر أيام فخر الدين"، أو مسرحيتهما الشهيرة "بترا" في سبعينيات القرن الماضي، أو حتى في تلاوين مسرحية "ميس الريم".

كانت فيروز أيقونة الحالة، وكان التركيب الشخصي للسيدة نهاد حداد، وسماها الراحل حليم الرومي فنيا "فيروز" اكتمالا لتلك الحالة الرحبانية الفريدة، فتشكلت الكاريزما المطلوبة لعالم الرحابنة الذي مثلته فيروز على أكمل وجه. وبصوتها الساحر وقدرتها الفنية الخرافية على تطويع القصيدة واللحن كان التحليق يرتفع أكثر وأكثر ليكون الرحابنة مدرسة فنية يساهم فيها أساطير الموسيقى والشعر فيجتمع سعيد عقل مثلا مع عنترة العبسي وجبران خليل جبران مع عبدالمنعم الرفاعي ( سياسي ورئيس وزراء أردني أسبق) كما وينضم محمد عبدالوهاب إلى فريق ملحنين كبار مثل زكي ناصيف أو فيلمون وهبي وآخرين غير عاصي زوج فيروز وزياد ابنها لتتشكل تلك المدرسة بكامل ألق هويتها الموسيقية.

يقال إن أحد أسرار فيروز والرحابنة هو كبرياؤهم في التعاطي مع الأنظمة العربية ضمن ذات سياسة عدم الانحياز التي انتهجوها. ويقال إن فيروز والرحابنة عوقبوا ذات موقف من بث أغانيهم في الإذاعة اللبنانية لأنهم رفضوا إقامة عرض خاص أمام الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، ومن الحكايا التي لم يوثقها أحد، قيل أن السيدة رفضت الانحناء تحية للجمهور في أول عروض مسرحية "بترا" في العاصمة الأردنية عمان،لأن الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال كان حاضرا، فلم تشأ السيدة أن يشوب انحناءها التباسات حضور الملوك، و لكن من الثابت في كل أعمال الرحابنة والسيدة فيروز أنها لم تغن بالمطلق لزعيم أو رئيس أو ملك، بل في تاريخها الموسيقي كله يمكن أن نجد أغنية أنتجها لها ابنها زياد "الشيوعي" تكريما لعامل نظافة بيروتي اسمه "صبحي الجيز" غنت له السيدة وخلدت ذكره.

صمت فيروز الغامض و قلة كلامها خارج العمل الفني، خلقا منها وحولها الأسطورة التي لا تتكرر، وهي رغم عدم انحيازها لأي فريق يمكن أن يدعي أنها تمثله حصرا، إلا أنها كانت منسجمة مع هالتها الأسطورية الغامضة في مجموعة ترانيمها الكنسية التي أعادت إنتاج غالبيتها تلفزيونيا ابنتها "ريما"، وحققت نجاحا كبيرا لم يؤثر على هالة السيدة كوحدة واحدة للجميع. طبعا مع الإشارة إلى تصريحات زياد الرحباني التي زعم فيها أن "السيدة تحب حسن نصر الله"، وهو تصريح تشكلت معه حالة الانفصال الفني والشخصي بين السيدة وابنها الموسيقي المثير للجدل، بعد تعاون فني طويل كان فيه زياد يغامر بالسيدة وهو يدخلنا عبر صوتها إلى عوالمه الابتكارية التي أثبتت نفسها ورسخت إلى جانب سلسلة طويلة من الإنتاج الرحباني. لكن تلك السيدة التي لا يغيب صوتها في أي يوم نعيشه عن أي مدينة عربية -"صوتي بكل مدينة" كما قالت- وبكل كبريائها الواضح في ظهورها وحضورها تحمل في طيات ملامحها وتفاصيل حياتها تلك اللمحة البسيطة لناسكة مسيحية طيبة شديدة التواضع إلى درجة أن صحفيا سألها في مقابلة نادرة إن كانت تصلي، فأجابت باقتضاب: كل الوقت بصلي. و حين استطرد سائلا: شو بتقولي بصلواتك؟ ردت بكل عفوية المؤمن بتواضع: (إذا قلتلك شو هي صلواتي، ما بعودوا صلوات، بصيروا أخبار)!!

جواب صوفي بسيط، يكشف ذكاء السيدة وحجم إدراكها الكامل لذاتها الموزعة بين فيروز.. و نهاد.

في المحصلة، كانت السيدة، وهي اليوم آخر ما تبقى من "الأخوين رحباني"، تحافظ دوما على هالتها تلك التي أدركت بذكاء معروف عنها، أنه جوهر جاذبيتها وكذلك عنوان شخصيتها، ومغامرتها مع زياد كانت مغامرة ذكية ربحت فيها الرهان على كل الجنون الكامن في عبقرية ابنها.

واليوم، مع آخر إصدارات السيدة في ألبومها "ببالي.." وقد انفصلت عن امتداد عاصي الفني والمجنون ابنها زياد، فصارت "ريما" هي المنتجة، وريما التي تظهر بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا بصيغة " الوصية" على السيدة ومديرة أعمالها، سيدة رحبانية حالمة بأن تكون شاعرة منذ طفولتها، وقد كان لها إصدارات شعرية لم تلق نجاحا رغم بعض الومضات الشعرية الجميلة، واليوم، مع قوة الوصاية والاستفراد بالسيدة، وجدت "ريما" المخذولة مرارا في الماضي مساحات شاسعة لتوظيف أحلامها التي تأخرت، فكان الألبوم الأخير "ببالي".

فهل تكسر وجدانيات "ريما الرحباني" مرايا السيرة والمسيرة؟ وهل حسبت السيدة جيدا مغامرتها الجديدة في ربيعها الثمانين؟

سؤال نتركه في ذمة القادم من الأيام!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG