Accessibility links

بقلم رياض عصمت/

يأمل بعض النجوم في توريث أبنائهم وبناتهم مهنتهم التي جلبت لهم مجداً وثراءً، في حين يتمنى بعضهم الآخر أن يجنب أولاده وراثة مهنة حافلة بالتنافس والإحباط. لكن، هل النجومية في الفن قابلة للتوريث؟ وهل يمكن أن تنتقل جينات الفنون الدرامية حقاً من جيل إلى آخر؟ كثيراً ما تتناقل بعض الأسر مهناً كالنجارة والحدادة وصنع المجوهرات والحلويات والشوكولاه وسواها من الحرف التي يتلقنها الآبناء من آبائهم منذ الطفولة عبر ترددهم إلى ورشة عمل الأب أو دكانه خلال عطلهم، فيتعلمون مهاراته، وينبهرون بسلطته. يمكن توريث الصنعة الحرفية، لأنها مهارة آلية يمكن اكتسابها بالمران، وكما يقول المثل: "العلم في الصغر كالنقش على الحجر." إذن، يوجد قدر من الصحة في نظرية الوراثة، لأن الجينات تنتقل من الآباء إلى الأبناء، لكن هذه النظرية ليست صحيحة بالكامل، لأن التأهيل يلعب الدور الأهم في النجاح. في زمن مضى، كان للمدرسة الطبيعية شأنٌ مهم، بحيث لا نزال نذكر مسرحيتي "الأشباح" و"البطة البرية" للمؤلف النرويجي هنريك إبسن، ورواية "جيرمينال" للأديب الفرنسي أميل زولا، لكن العلم الحديث أثبت بطلان عديد من مفاهيم تلك المدرسة، مما أدى إلى انحسارها وأفولها.

هناك نماذج عدة لمحاولات توريث الفن في السينما، نجح بعضٌ منها، وفشل بعضها الآخر، ولا يزال قسم ثالث منها قيد التجربة، والتجربة خير برهان. نذكر بين أقدم النماذج الناجحة عبقري الكوميديا تشارلي تشابلن وابنته الممثلة الجادة جيرالدين تشابلن، بطلة فيلم "دكتور جيفاكو" (1965) وسواه. نجد نموذجاً آخر لدى كيرك دوغلاس وابنه مايكل دوغلاس، فالابن نال أوسكار أفضل ممثل عن "وول ستريت"، وهو ما لم ينله الأب رغم كونه أيقونة سينمائية منذ أدائه بطولة فيلم "سبارتاكوس". نجد نموذجاً ثالثاً مهماً لدى الممثل الكبير هنري فوندا وابنته النجمة جين فوندا، التي سبقت أباها إلى نيل الأوسكار بزمن طويل، ثم كافحت طويلاً حتى جعلته ينالها بجدارة في أواخر حياته عن فيلم "على بركة ذهبية" (1981). بالمقابل، لم يبلغ بيتر فوندا مصاف نجومية أبيه وأخته، وتوقف عند حدٍ معين. نجد أيضاً نموذجاً ناجحاً لدى الممثل الكبير مارتن شين وولديه الممثل تشارلي شين والمخرج/الممثل إميليو إيستيفيز، وكلاهما حقق نجاحات مع الأب أو لوحده. كما نجد نموذجاً مهماً لدى الممثل جون فوت وابنته أنجلينا جولي، التي بلغت نجوميتها سواء في التمثيل أو الإخراج مصافاً لم يبلغه والدها المخضرم خلال حياته الحافلة. هناك أيضاً مثال ديبي رينولدز بطلة "الغناء تحت المطر"، وابنتها كاري فيشر بطلة "حرب النجوم"، وقد توفيت الأم بعد وفاة ابنتها بأيام قليلة حزناً على رحيل ابنتها قبل الأوان. نجد مثالاً آخر لدى عائلة الممثلة البريطانية المخضرمة فانيسا ريدغريف، إذ كان والداها مايكل ريدغريف وراشيل كيمبسون ممثلين شهيرين، وشقيقتها لين وشقيقها كورين عملا في التمثيل دون أن يكون حظهما من الشهرة مماثلاً لها، ناهيكم عن بعض بناتها وأبنائها أيضاً. كما نذكر نموذج الممثل الكبير جون ميلز وابنته هايلي ميلز، التي تألقت منذ فيلم "خليج النمر" (1959)، ثم لمع نجمها بالأخص في عديد من أفلام شركة والت ديزني، وفي مقدمتها "فخ الأهل" (1961). هناك أيضاً نموذج دونالد ساذرلاند وابنه كيفر ساذرلاند بطل مسلسل "24"، وكلاهما حصد من الشهرة القدر الوفير، وظهرالأب والابن معاً في فيلم "المنبوذ" (2015). نذكر أيضاً توني لي كورتيس وزوجته جانيت لي، اللذين أنجبا جيمي لي كورتيس بطلة سلسلة "هالووين" من إنتاج مصطفى العقاد. كما نذكر أيضاً الممثل ستيلان سكارسغارد وابنه ألكسندر سكارسغارد بطل فيلم "أسطورة طرزان" (2016).

بالمقابل، هناك أساطير من نجوم التمثيل طغت شهرتهم الهائلة على شهرة أبنائهم بالرغم مما أتاحوا لهم من فرص الظهور ودفعوا بهم للمشاركة في أفلامهم أو أفلام اصدقائهم من كبار النجوم والمخرجين. هنا، نذكر نموذج الممثلة الكبيرة إنغريد برغمان وابنتها إيزابيللا روسوليني، التي مارست التمثيل طويلاً دون أن تبلغ مجد والدتها، التي انطلقت شهرتها منذ فيلم "كازابلانكا" (1942)، لتلعب بطولة عدة أفلام من إخراج الفريد هتشكوك، وتحظى بمديح جورج برنارد شو على أدائها بطولة "جان دارك" (1948).نذكر أيضاً بين من لم يضاهوا آباءهم في النجاح باتريك وين، الذي طغى حضور والده جون وين على حضوره، فخبا بريق شهرته بعد أن فارق الأب الحياة. هكذا حدث أيضاً مع روبرت ميتشوم وابنه كريستوفر ميتشوم، الذي لم يحظَ بشهرة أبيه بالرغم من وسامته وحضوره الجذاب. كذلك نذكر غريغوري بِك وابنته سيسيليا بِك، التي اعتزلت التمثيل مبكراً، وتفرغت للحياة العائلية. أما حالياً، فهناك قيد الاختبار الممثل الواعد سكوت إيستوود، ابن النجم والمخرج الكبير كلينت إيستوود، وقد بدأ بالظهور في بعض أفلام أبيه قبل أن يحظى بفرصة الظهور بعيداً عن ظلِّه في فيلم "مصير الغاضب" (2017) - وأغلب الظن أنه سيستمر في هذه السلسلة من أفلام الحركة بديلاً عن الممثل الراحل بول والكر، الذي توفي في حادث سير مفجع. أما في السينما العربية، فنجد نماذج أقل لتوريث النجومية، بالأخص للبنات، كما عند فريد شوقي وابنته رانيا شوقي، وأيضاً سمير غانم وابنته دنيا غانم. لكن النموذج الجدير بالتأمل هو رامي إمام، ابن عادل إمام، الذي اختار الإخراج السينمائي طريقاً، فمارسه مديراً أباه النجم في عدة أفلام، أشهرها "حسن ومرقص" مع عمر الشريف. السؤال هو: كم عدد أولئك الذين لم تكن لهم علاقة بفن التمثيل من قريب أو بعيد، لكنهم أنجبوا بعض أعظم الممثلين والممثلات في تاريخ الفن السابع، وكم عدد الممثلين المغمورين الذين أنجبوا أبناء وبنات فاقوهم في الشهرة؟ هل نصدق المثل القائل "وردة خلَّفت شوكاً"؟ أم يصح القول: "شوكاً خلَّف وردة"؟

هنا، الأجدر بنا أن نتذكر مثالاً مختلفاً عن التوريث، وهو الأب الرسام الشهير بيير-أوغست رينوار وابنه المخرج السينمائي جان رينوار، فكلاهما أبدع في الفن، إنما في حقل مغاير عن الآخر. هناك أيضاً نموذج ألكسندر دوما الأب، مؤلف "الفرسان الثلاثة" و"الكونت دي مونت كريستو"، وألكسندر دوما الابن، مؤلف "غادة الكاميليا"، وكلاهما تألق، إنما في نمطين متباينين من الرواية. لا ينكر أحد تأثير الجينات على البشر، لكنه تأثير جزئي، بحيث لا يعني أن بإمكان النجم أن يخلِّف بالضرورة نجماً يحمل مشعله ويحقق إنجازاته. يبقى عدد من وصلوا إلى الشهرة والنجاح بكفاءاتهم دون حاجة إلى الاعماد على نفوذ ذويهم أكبر بكثير من عدد أولئك الذين خاضوا غمار الفن بالوراثة، فإما توقفوا باكراً، أو أصابوا معجبيهم بخيبة أمل. بالمقابل، من الوارد جداً أن ينجب ممثل عظيم مخرجاً، أو رساماً، أو ملحناً، أو عازفاً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو عالم ذرة، أو بطلاً رياضياً، أو سوى ذلك. أما التوريث في نمط الإبداع نفسه فهو أمرٌ مشكوك فيه كثيراً، لأن النجاح في الفنون والآداب مرهون بالموهبة، والطبيعة تهب قلةً من البشر دون سواهم قدرات تعبيرية وحضوراً جذاباً، فضلاً عما يجنونه عبر التدرب والخبرة. إن الفن إبداع، والإبداع لا يورَّث.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG