Accessibility links

كيف تغير الحرب طبائع البشر!


من العرض المسرحي (تصوير ليز لورين)

بقلم رياض عصمت/

الحرية، تلك الكلمة التي لا تقدر بثمن. الحرية، شعار رفعته الثورات، ثم ما لبثت أن منعته أنظمة عدة من التداول. أضحى السؤال عن الإيمان بالحرية يطرح كاتهام على حواجز التفتيش تحت تهديد السلاح وكأنها جريمة يحاسب عليها القانون.

لكن الحرية تبقى موضوعا أزليا خالدا، حارب من أجله الإنسان ضد العبودية والاستبداد في كل زمان ومكان في التاريخ القديم والحديث، من سيرة الأنبياء والرسل، إلى ثورة سبارتاكوس والثوار أجمعين، وصولا إلى مناضلي التحرر والعدالة في عصرنا الراهن.

جوهر مسرحية سوزان ـ لوري باركس "الأب يعود إلى البيت من الحروب" (Father Comes Home from the Wars) موضوعات تمس قضية الحرية والكرامة. لكن السؤال الأعميق: كم تغير الحرب من طبائع البشر، وهل تدمر أخلاقهم أم تحييها؟ يمكن للحرب عموما أن تكون واحدة من الحروب الكثيرة التي شهدها التاريخ في الماضي، ويشهدها الحاضر الآن، وسيشهدها المستقبل غدا. لكن خيار المؤلفة المسرحية الأميركية ذات الأصول الأفريقية كان أن تتناول الحرب الأهلية الأميركية بين الاتحاديين في الشمال الذين أرادوا منح السود حقهم في التحرر من الرق والمساواة مع البيض، وبين الكونفيدراليين في الجنوب الذين أرادو إبقاء السود عبيدا يبتزون جهودهم في مزارع القطن والذرة مقابل الفتات.

كم للحرب من ثمن باهظ، فهي تغير من طبائع البشر إلى نقائضها

إذن، الموضوع المحوري هو الحرب مقابل الحرية، احتمال الموت مقابل الكرامة، فقدان الحبيبة للزوج الغائب مقابل التحرر من العبودية، وإن تكشف العمل دراميا عن جوانب أخلاقية وإنسانية عديدة مثيرة للاهتمام العميق لدى مختلف الأجيال.

في الواقع، عندما يكون العمل الفني عظيما، فإنه يتمتع بسمة الخلود على نحو أو آخر، ويمكن تفسيره بصور متباينة ليتحدى عوائد الزمان. لذلك، استلهمت سوزان ـ لوري باركس مسرحيتها "الأب يعود إلى البيت من الحروب" بشكل تهكمي ساخر من ملحمة "الأوديسة" لهوميروس، وحظيت المسرحية عقب نشرها في عام 2015 بعدة انتاجات ناجحة من قبل بعض أشهر الفرق المسرحية الأميركية، من نيويورك وكمبريدج على الساحل الشرقي إلى لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو على الساحل الغربي، وها هي ذي تكمل مشوارها بافتتاحها على مسرح "غودمان" العريق في شيكاغو بتاريخ 4 حزيران/يونيو 2018.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تعكس سينما الواقع الحقيقة؟

جدير بالذكر، أن سوزان ـ لوري باركس سبق أن حازت جائزة "العبقرية" من مؤسسة ماك آرثر، كما نالت جائزة "بوليتزر" عام 2002 على مسرحيتها Topdog/Underdog، لتكون أول كاتبة أميركية من أصول أفريقية تنال هذا الشرف الرفيع في مجال الدراما. كما أسهمت سوزان ـ لوري باركس في كتابة السيناريو السينمائي للمخرج سبايك لي، ولنجوم مثل دنزل واشنطن وبراد بيت، فضلا عن قيامها بتدريس مادة التأليف المسرحي في جامعة نيويورك.

تدور أحداث مسرحية "الأب يعود إلى البيت من الحروب" في مزرعة بولاية تكساس في العام 1862. قسمت المؤلفة مسرحيتها إلى ثلاثة أجزاء تقدم جميعا في عرض واحد طويل يزيد عن ثلاث ساعات. أطلقت المؤلفة على الجزء الأول عنوان "مقياس الرجولة"، والثاني "معركة في البرية"، والثالث "وحدة الأجزاء الكونفيدرالية". يتسم العمل بأسلوب بالغ الحداثة من خلال شخصيات أغلبيتها الساحقة من السود، باستثناء شخصيتي مالك المزرعة الذي يذهب لخوض الحرب برتبة كولونيل، وضابط أسير مصاب بجرح بليغ في ساقه من الجيش الاتحادي.

تبدأ حبكة المسرحية بعبد يدعى "هيرو" (لعب دوره بحضور قوي ولافت الممثل كمال أنجلو بولدن) يواجه خيارا صعبا طرحه عليه سيده الأبيض بين أن يرافقه إلى الحرب للقتال مع القوات الاتحادية مقابل أن يمنحه حريته بعد تلك الحرب، أو أن يبقى في المزرعة آمنا كعبد إلى الأبد مع زوجته وبقية النساء والعجائز. يتردد "هيرو" في خوض غمار المغامرة، وبعد أن يكون على أهبة المخاطرة بحياته من أجل نيل حريته، تقنعه زوجته "بيني" (لعبت دورها بمنتهى الحيوية الممثلة الموهوبة إيمي دونا كيلي) أن بقاءه سالما كعبد خير من موته المحتمل.

يهم الزوجان بقطع إحدى قدمي "هيرو" ليتجنب السوق إلى الحرب، خاصة وأن رفاقه يبثون الشكوك لديه في وفاء السيد الأبيض بوعده في منحه حريته. لكن "هيرو" يختار أخيرا المخاطرة بحياته من أجل الحرية تعويضا عن شعور دفين بالذنب لأنه أسهم في اعتقال صديقه "هومر" (لعب دوره باقتدار الممثل جيمي لينكولن سميث) الذي حاول الهرب من نير العبودية، وقام بتسليمه إلى سيده الأبيض التزاما منه بما اعتقد أنه واجبه، فعوقب الصديق بقطع قدمه ليعرج إلى الأبد. عندما يكشف الصديق أمام بقية العبيد عن دور "هيرو" في الوشاية به واعتقاله، يثير احتقار جميع السود تجاهه بعد احترام، فيبصقون نافرين منه، ويرفضون مناداته باسم "هيرو"، أي "البطل". بالتالي، يقرر الذهاب إلى الحرب مهما كانت النتائج كي ينال حريته المنشودة.

أضفت المؤلفة مسحة من الكوميديا السوداء على موضوع مسرحيتها المأساوي، وزينتها بمسحة غنائية/موسيقية لتضفي على العرض متعة غير مألوفة أو متوقعة. أما من حيث المضمون، فسعت بحنكة وبراعة إلى تسليط الضوء على مختلف الجوانب الأخلاقية لسلوك بطلها، الذي يخوض غمار حرب طاحنة من أجل إثبات هويته ونيل حريته واستعادة كرامته واعتزازه بنفسه.

في الفصل الثاني، نرى "هيرو" جنديا مطيعا، حتى حين يوهم سيده الكولونيل الأسير الاتحادي الجريح بأنه سيعدمه. لكنه في نهاية الجزء الثاني، ومع اقتراب دوي مدافع الاتحاديين واستعداد سيده الكولونيل للهرب أمام انتصارهم الوشيك، لا يمانع "هيرو" أن يرتدي سترة الجيش الاتحادي، محاولا التعويض عن ذنبه الذي اقترفه تجاه صديقه الأسود "هومر" بإطلاقه سراح الضابط الأسير، خاصة حين يعلم منه أنه ينحدر من أصل عرقي غير أبيض.

في الجزء الثالث، نرى العبيد في المزرعة عقب الحرب وقد صمموا على الفرار من ربقة العبودية مهما كلفهم ذلك من ثمن. كما نرى "بيني"، زوجة "هيرو"، وقد وصلها نبأ عن استشهاد زوجها، ونعلم أنها أقامت علاقة عابرة مع الصديق الأعرج "هومر". كما نتعرف لأول مرة على كلب البطل المسمى "أوديسة" بلمسة كوميدية طريفة من المؤلفة، (وأدت دور الكلب الكوميدي وحواره الظريف الممثلة بريتني لوف سميث).

يفاجئ "هيرو" الجميع بعودته سالما غانما يحمل الهدايا لأسرته، ويداعب كلبه الوفي. لكن، بين الفرحة لقدومه، وخيبة أمل الصديق الذي أحب الزوجة ظنا منه أنها غدت أرملة، واختلاط مشاعر الزوجة التي ظنت زوجها قد استشهد، يجد "هيرو" نفسه في مأزق نفسي وأخلاقي صعب، وإن أضحى حرا من العبودية كما أراد ورغب، ومرتديا زيا عسكريا خليطا من بزات الكونفيدراليين والاتحاديين.

كم غيرت الحرب من إنسانية "هيرو"! بل كم تغير الحرب من طبائع البشر، وتنقلهم من الخير للشر، ومن الشر للخير! إنها مسرحية رائعة حقا في معانيها وإيحاءاتها ودلالاتها الرمزية، ولا غرابة أن تستلهم مؤلفتها بشكل طفيف وحر ملحمة شهيرة وخالدة مثل "الأوديسة".

كم تغير الحرب من طبائع البشر، وتنقلهم من الخير للشر، ومن الشر للخير!

قام بإخراج عرض مسرح "غودمان" المخرج الموهوب نيجيل سميث، القادم من نيويورك حاملا في رصيده عدة جوائز قيمة مع سمعة عريضة في مجال الإخراج المسرحي. جسد تصور المخرج رؤية المؤلفة بمزيج من الجدية ذات الطابع الملحمي في تناول قصة درامية عن فترة الحرب الأهلية الأميركية بشكل يتسم بالواقعية تارة، وبالشعر والشاعرية تارة أخرى، وبالموسيقى والغناء الأصيلين تارة ثالثة بأداء المغنية السوداء المعروفة في أوساط شيكاغو الموسيقية ميلودي إنجل، وألحان جوستين إلينغتون. لكن الرائع حقا هو الديكور بالغ التقشف والحداثة، الذي امتد بجسور أحاط بها جزء من الجمهور، بينما جعل المخرج الممثلين يظهرون ويحتفون من مخارج ومداخل الصالة نفسها بين المتفرجين.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تنبأ سام شيبرد بلا معقولية المستقبل؟

تباينت مواقف بطل مسرحية "الأب يعود إلى البيت من الحروب" بين الحب المخلص، وبين الشعور بالذنب بسبب ما ارتكبه البطل إزاء صديق، ثم الإحساس العميق بالألم وخيبة الأمل نتيجة تعرضه للخيانة من ذلك الصديق مع زوجته.

كم للحرب من ثمن باهظ، فهي تغير من طبائع البشر إلى نقائضها، وكثيرا ما يدفع المرء بسببها ثمنا غاليا من عواطفه، ليمتزج الأمل بالألم، والنصر بالمرارة. بالتالي، فهذه مسرحية تتناول الماضي بقدر ما هي عن الحاضر، إذ بذلت المؤلفة القديرة سوزان ـ لوري باركس جهدها لمناقشة القيم الإنسانية الخالدة، مستلهمة هوميروس في "الأوديسة" دون تطابق واتباع، بل بتحرر وإبداع.

لذلك، فإن موضوعات العمل التي تتناول الحرية والحرب والتضحية والكرامة والإخلاص والخيانة ونكران الذات يمكن أن تنطبق على ثقافات عديدة في العالم أجمع، وتلهم الجمهور المعاصر دروسا عن الحرب والسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG