Accessibility links

بقلم جمال أبو الحسن/

الثابت الرئيس في تاريخ الإنسان العاقل على ظهر الأرض (200 ألف سنة تقريباً) هو أنه كان يفكر بالطريقة نفسها، على الأقل خلال السبعين ألف عام الأخيرة! ليس لدى الإنسان المعاصر أداة أو جهاز آخر يختلف عن الدماغ البشري الذي توفر لسلفه القديم. هذا الدماغ البشري -وبالتحديد القشرة الدماغية التي تميز بني الإنسان عما عداهم من الثدييات- هو البطل الحقيقي وراء قصة الحضارة!

الدماغ البشري ليس أكثر من حاسوب مبرمج جينياً لصناعة الوعي. ما زالت أسرار هذا الأخير مخبوءة ومطوية. الروبوت (الإنسان الآلي) لديه درجة من الوعي، ولكنها لا تتعدى وعي طفل بعمر سنتين. صحيح أن الروبوت يمارس نوعاً من التفكير، ولكن هل يعرف أنه يفكر؟ هل يعرف أنه موجود أصلاً؟ الأهم: هل لديه إرادة حرة، وقدرة على الاختيار؟.. تلك هي الأشياء التي جعلت البشر بشراً.

هذا الوعي الذي نتحدث عنه يحدث كله داخل الدماغ البشري. معنى ذلك أن فهمنا للدماغ وطريقة عمله يتيح لنا فهما أفضل للتاريخ البشري، ومسار الحضارة في المستقبل. الأمل أن يسهم الـ Brain Project (في أوروبا)، وBrain initiative في الولايات المتحدة (كلاهما أُطلق عام 2013) في تقليص مساحة المجهول عن عمل الدماغ البشري وأسراره.

يقول ميشيو كاكو في كتابه "مستقبل العقل" (الصادر عن سلسلة عالم المعرفة في 2017): "العقل، سواء أحببت ذلك أم لا، عبارة عن آلة. لقد توصل العلماء إلى هذه النتيجة ليس لأنهم آليون لا يحبون البهجة، لكن لأنهم راكموا أدلة على أن كل ناحية من نواحي الوعي يمكن ربطها بالدماغ".

"ثورة الوعي" هي أخطر ثورة في تاريخ الإنسان. يشير بعض العلماء إلى أن تلك الثورة وقعت منذ سبعين ألف سنة تقريباً. القرائن التي يقدمونها هي آثار البشر الذين عاشوا خلال تلك الفترة. إنها آثار تشير إلى ممارستهم نوعاً من التفكير يشبه ما نقوم به اليوم: أدوات، رسوم على كهوف، ملابس، جماعات تعيش معاً...إلخ.

ثورة الوعي هي باختصار بداية إدراك الإنسان لنفسه وللآخر. لا أحد يعرف كيف أو لماذا حدث هذا الإدراك. هناك من العلماء من يشير إلى أن ثمة قسمين من الدماغ البشري كانا يعملان بصورة منفصلة، ثم جرى تطور جيني ما جعلهما يتصلان. آخرون يشيرون إلى ظهور جين معين مسؤول عن الذكاء البشري. هناك من يقرن الأمر بظهور اللغة. عبر استخدام اللغة -أول ثورة معرفية في تاريخ البشر- تمكن الإنسان من التواصل مع الآخرين من البشر، وبالتالي إقامة المجتمع.

ليس البشر هم وحدهم من يمتلكون صفة الذكاء، للحيوانات درجات مختلفة من الذكاء. ليس البشر هم وحدهم من يمتلكون اللغة. أثبت العلماء أن بعض الحيوانات لديها لغة، وإن كانت محدودة المفردات (بعض أنواع القرود يمكنها أن تصدر أصوات تحذر بعضها البعض من مقدم أسد مثلاً). ما الذي يميز الدماغ البشري إذاً؟

واقع الأمر أن ما يميز الدماغ البشري هو تلك القدرة على تصور أشياء غير موجودة. بعض العلماء وصف الدماغ البشري بأنه آلة لتوقع المستقبل. يقول دانييل جيلبرت (عالم النفس الأمريكي) إن "الإنجاز الأكبر للعقل البشري هو قدرته على تخيل أشياء وحوادث لا توجد في الواقع، خصوصاً في القشرة الجبهية المتوسعة الموجودة خلف الجبهة تماماً.. بما يسمح لنا بتصور المستقبل".

اللغة البشرية المميزة هي ما يساعدنا في تمثيل المستقبل. اللغة البدائية التي تمتلكها الحيوانات لا تتيح لها سوى البقاء في الحاضر. كل المخلوقات، بخلاف البشر، هي في واقع الأمر أسرى للحاضر. عالقة فيه بصورة مستمرة. لا تستطيع تصور المستقبل. ليس في إمكانها استحضار الماضي. وحده الكائن البشري هو القادر على أن يعيش في زمان آخر. ما نشير إليه بوصفه الحضارة يرتبط بصورة وثيقة بهذه القدرة على بناء تصورات للمستقبل.

لو تأملت قليلاً لوجدت أن معظم أنشطتنا العقلية خلال اليوم متعلقة بهذه الخاصية (صناعة تصورات للمستقبل). ينطبق ذلك على أبسط العمليات وأعقدها. نحن نضحك من نكتة لأن أدمغتنا تتخيل بسرعة نهاية متوقعة، ثم تفاجئنا النكتة بنهاية أخرى مختلفة وغير متوقعة. هذا ما يثير المفارقة، ومن ثمّ الضحك.

لو تأملت أكثر لوجدت أننا في أغلب ساعات اليوم لا نكون عالقين في الحاضر، بل في الماضي أو المستقبل. إما أننا نمارس الهواية البشرية الأثيرة بالرجوع إلى الماضي واجتراره، أو بالذهاب إلى المستقبل تخوفاً وتحسباً، أو أملاً ورجاء. أدمغتنا مبرمجة لكي تعمل بهذه الطريقة. لا نستطيع منها فكاكاً.

تصور المستقبل مرتبط أيضاً بعنصر مهم، هو السر الحقيقي وراء الإبداع البشري. عن الخيال أتحدث. آينشتين قال ذات مرة إن "الدليل الحقيقي على العبقرية ليس المعرفة بل الخيال".

الخيال البشري مكن البشر – باستمرار- من تصور ما هو ليس موجوداً، ومن ثمّ ..صناعته (آلات)، أو اختلاقه (أساطير ومنظومات اجتماعية)، أو التبشير به (أخلاق وأفكار). هذه العناصر مجتمعة هي ما نطلق عليه لفظ "الحضارة"!

XS
SM
MD
LG