Accessibility links

الفرنسيون و12 أيار/مايو المقبل


قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا (أ ف ب)

بقلم فارس خشّان/

منذ وصل إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، قرر أن يرسم دورا جديدا لسياسة فرنسا الخارجية. كان يفكر بسابقة بطل الحرب العالمية الثانية الجنرال شارل ديغول الذي عمل على سحب فرنسا من سياسة المحاور الدولية وإدراجها في واجهة دول عدم الانحياز، كما كان ينظر إلى الشعبية المرتفعة التي حصدها الرئيس جاك شيراك عندما رفض أن تكون بلاده جزءا من التحالف الدولي الذي أسقط نظام صدام حسين.

ومن تجربته مستشارا في عهد الرئيس فرانسوا هولاند، استنتج إيمانويل ماكرون أن الالتحاق بسياسة دولية تقودها واشنطن، تخرب على موقع بلاده في العالم، فالقوة الدولية الخامسة تكاد أن تكون على الهامش، منذ أنزل الطيارون الفرنسيون من طائراتهم الحربية، بمجرد أن بدل الرئيس الأميركي باراك أوباما رأيه في موضوع شن غارات عقابية على بشار الأسد ـ الكيماوي.

يعرف الفرنسيون أن استثماراتهم في إيران يمكن أن تذهب مجددا في مهب الريح إن قرر صناع القرار في أميركا إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الاتفاق النووي

وهكذا، قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا.

كمنت تجربته الأولى العلنية، في حلحلة العقد التي أحاطت بأزمة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مع المملكة العربية السعودية. نجاحه في هذا الملف أعطاه علامات إيجابية في ميزان الإعلام والرأي العام، مما أرفده بحماسة، ليذهب قدما في الاتجاه المرسوم، فاختار أزمة طهران ـ واشنطن التي عادت إلى التعقيد، وتنذر بتصعيد قد يؤدي إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط الهش.

اقرأ للكاتب أيضا: "14 آذار" والمستحيل

بتكليف رئاسي، حمل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان ملف هذه الأزمة إلى طهران، حيث لم يكتف بلقاءات مع "قوى الواجهة" الإيرانية، أي الرئاسة والحكومة، بل ذهب إلى النظام العميق المتمثل بالحرس الثوري الإيراني وبمرشد الجمهورية علي خامنئي.

ووفق ما أظهرته التحضيرات التي سبقت الزيارة، برز تاريخ 12 أيار/مايو المقبل بمثابة جرس الإنذار، فطهران إن لم تقبل بفتح مفاوضات جديدة حول مدة الاتفاق النووي، بحيث يتم تمديد فترة منع التخصيب، وإذا لم تتنازل في ملف الصواريخ الباليستية الطويلة المدى، فإن هناك خطرا كبيرا في أن تقدم واشنطن على خلط الأوراق، بحيث تسقط توقيعها عن الاتفاق النووي وتوسع دائرة العقوبات.

بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية التي يقودها حاليا رجل كان حتى الأمس القريب باهرا في حقيبة وزارة الدفاع، فإن "الشيطنة" الإيرانية في المنطقة لن تنفع، فالمعنيون بالاضطرابات الإزعاجية المحتملة، يجهزون أنفسهم لها، ولا سيما دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية، وإسرائيل بقيادة "قارع طبول الحرب" بنيامين نتنياهو.

وتعتبر باريس أن البيت الأبيض يجهز نفسه لاستحقاق 12 أيار/مايو المقبل، فاللقاءات التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع قيادات إسرائيلية وعربية وخليجية إنما تدخل في هذا السياق.

وتتصرف الإدارة الفرنسية من موقع المتفهم للتصور الأميركي من جهة ومن موقع المعني بمصلحة مشتركة مع إيران، من جهة أخرى.

وتكمن هذه المصلحة المشتركة في البعدين الاقتصادي والاستثماري، فالشركات الفرنسية على اختلافها (نفط، سيارات، بناء، معلوماتية، وخلافه)، ومنذ رفعت عن طهران العقوبات الدولية المتصلة بالملف النووي، سارعت للعودة إلى "دولة الثمانين مليون مستهلك"، باستثمارات يمكن تصنيفها بالخطرة، لأن تمويلها لا يتوافر من المصارف الكبرى التي تضع طهران في قائمة الدول الخطرة، ولا من المصارف الإيرانية التي لا تملك القدرة التمويلية اللازمة.

قرر ماكرون أن يجعل بلاده وسيطا في النزاعات التي تعني مصالح فرنسا

ولا يزال الطعم المر لاضطرار الشركات الفرنسية على الانسحاب من إيران، عندما أخذت واشنطن العقوبات الاقتصادية الشاملة على محمل الجد، تحت الأسنان.

ويعرف الفرنسيون أن استثماراتهم يمكن أن تذهب مجددا في مهب الريح إن قرر صناع القرار في الولايات المتحدة الأميركية إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل الاتفاق النووي، ذلك أن سطوة واشنطن على العالم، ومنذ فترة طويلة، لم تعد تعتمد على القوة المسلحة إنما على القوة المالية، حيث يتحكم "سابك الدولار" بكل المصارف، في أي بقعة في العالم.

اقرأ للكاتب أيضا: كلام.. الغوطة

ولكن ما كان سهلا فيما سمي بأزمة الحريري، على اعتبار أن الوساطة كانت بين صديقين قديمين، يبدو معقدا بين عدوين مستدامين.

الأجوبة الإيرانية الأولية التي حصلت عليها الدبلوماسية الفرنسية كانت سلبية، فطهران ترفض المطالب الأميركية، جملة وتفصيلا.

في باريس، يؤكدون أن المساعي سوف تستمر وتتكثف، لأن أحدا في مراكز القرار لا يتوهم أن هذه الوساطة سهلة، فالتجارب الفرنسية الفاشلة مع إيران كثيرة، ومن أبرزها تجارب حل الملف الرئاسي اللبناني، لأن الجواب الشافي لا يتوافر عند براغماتيي إيران الذين يقدمون الملف الاقتصادي على ما عداه، بل عند العقائديين الذين يقدمون ملف القوة العسكرية على ما عداه.

وأمل باريس، ولو ضئيلا، يكمن لدى الشعب الإيراني، وتحديدا لدى جمهور المتشددين، إذ إن الانتفاضة الشعبية الأخيرة على خلفية اقتصادية اجتماعية، والتي لا تزال أصداؤها تتردد في أروقة "نظام الملالي"، يمكن أن تنتج "تعقيلا" يؤدي إلى نتائج إيجابية قبل حلول 12 أيار/مايو المقبل.

أما إذا سقطت الآمال والوساطة، فحينها، قد لا ينهار الاتفاق النووي فحسب، بل أيضا، وهذا الأخطر، الاعتقاد بأن طبول الحرب التي تقرع لن تترك الساحة إلا للدوي الأحمر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG