Accessibility links

أزمة الخليج: من هو الكبير الآن؟


ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد

بقلم حافظ المرازي/

حين قررت دول مجلس التعاون الخليجي عام 2014 مقاطعة قطر ثم إعادة العلاقات معها بعد ثمانية أشهر، كان "الكبير" الذي يقرر من الرياض لمنظومة دول التعاون هو العاهل السعودي آنذاك الملك عبدالله بن عبد العزيز، لكن أزمة الخليج الأخيرة التي بدأت في الخامس من يونيو/حزيران الماضي، ومازالت مستمرة بين قطر وثلاث دول خليجية (السعودية والإمارات والبحرين) ومصر، لم تجد هذا "الكبير" الذي يقبل المصافحة والمصالحة حين تمد قطر يدها بصدق وإخلاص.

فرغم التحرك الأخير للمصالحة بمكالمة أمير قطر لولي العهد السعودي عقب تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الجمعة الماضي، فقد ظلت جهودا دون جدوى... لأنها تأتي في إطار الفراغ السياسي الناجم عن رحيل الملك عبد الله، وهو ما ترتب عليه أولا عدم حسم مرجعية وشرعية صاحب القرار في الرياض الذي استهلكه لفترة تنازع السلطة ولو شكليا بين محمد بن سلمان ومحمد بن نايف على ولاية العهد حتى تم حسمه لصالح ابن الملك سلمان، والذي كان قد وضع ابنه محمد في تسلسل الخلافة بمجرد توليه الحكم، وبشكل غير مسبوق في وراثة إخوة أبناء عبد العزيز لحكم المملكة.

واكب ذلك بروز دور محوري في المنطقة - العربية وليس فقط الخليجية - للحاكم الفعلي لإمارة أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لدولة الإمارات والتي يرأسها اسميا شقيقه الأكبر الشيخ خليفة بن زايد، وهو دور فعال في دعم وتمويل الثورات المضادة لانتفاضات الربيع العربي سواء كانت إسلامية أو شبابية ليبرالية!

على الجانب الآخر، ومع نجاح أبو ظبي في إجهاض وإفشال الإسلاميين في تصدر الربيع العربي بعد أن دعمتهم ومولتهم الدوحة، قرر أمير قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة، صاحب الرهان على استخدام الإسلاميين منذ عام 2004 في تسوية وقّتها لحساباته القديمة مع مصر والسعودية حتى نهاية الربيع العربي، أن يترك الحكم هو ووزير خارجيته شريك السلطة منذ انتزاعها من الأب عام 1995 الشيخ حمد بن جاسم؛ ليتولاها ابنه تميم بن حمد في عام 2013 بعد أن خسر الأب في غضون عامين رهانه واستثماره في الفصيل الإسلامي دون غيره من فصائل الربيع العربي.

لكن تميم لم يصبح الحاكم الفعلي الوحيد لقطر، فمحاولته البراغماتية للتعامل مع الأمر الواقع في مصر بإرسال برقية تهنئة للرئيس الانتقالي عدلي منصور، بعد إطاحة الجيش بالرئيس الإسلامي المنتخب محمد مرسي استنادا إلى انتفاضة الملايين ضده، تم سحبها بسرعة كخبر من وكالة الأنباء القطرية ونشرات الجزيرة، مما أوضح أن الأب حمد بن خليفة تدخل غالبا ليمنع ابنه من هذا التحول.

فهل هذا ما تكرر بعد مكالمة الأمير الشاب تميم بن حمد للأمير الشاب محمد بن سلمان للمصالحة؟

هل أفسدت مبادرة المصالحة وكالة الأنباء القطرية والجزيرة التي مازالت قيادتها لم تتغير من الحرس القديم للأب الشيخ حمد، إلى الابن الشيخ تميم رغم أن كل المناصب الأخرى تغير أصحابها وتولاها حرس جديد، ومنهم وزير الخارجية القطري الشاب محمد بن عطية الذي برز دوره في الأزمة الأخيرة كنموذج رائع لشباب الخليج الهادئ الطباع والمتعلم في الغرب، شأنه شأن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير! إن المستشار الإعلامي للأمير تميم هو عزمي بشارة الناشط الحقوقي الفلسطيني ونائب الكنيست الإسرائيلي المعزول، والذي يكتب خطابات الأمير ولا يتحكم إلا في قناة جديدة مازالت مغمورة (العربي) في لندن، بينما ما زالت منظومة الإعلام القطري الداخلي والخارجي (بما فيها الجزيرة والميليشيات الإلكترونية لمديرها الإسلاموي السابق وضاح خنفر) تتبع عم الأمير الحالي، الشيخ حمد بن ثامر، الوحيد الذي احتفظ بنفس المنصب منذ وصول ابن عمه الأمير الأب حمد بن خليفة إلى السلطة عام 1995 وحتى الآن!

وإن كان الوضع معكوسا في السعودية، بمعنى أن الأب الملك سلمان يملك رسميا بينما يحكم الابن الشاب ولي العهد الأمير محمد، فمن تدخل لدى الطرف الخليجي لإفساد المصالحة؟

هنا يثور التساؤل بشأن دور حاكم أبو ظبي الفعلي الشيخ محمد بن زايد الذي كان "الكبير" غير المتوج ليس فقط في بلده بل وفي الخليج ومنطقة الربيع العربي.. فهو الذي ملأ فراغ الزعامة في الخليج برحيل العاهل السعودي الملك عبدالله وبدا وكأنه مهندس عملية تمكين الشاب محمد بن سلمان من حكم المملكة، على أمل أن تبقى له مكانة "الكبير" بعد تولي بن سلمان مقاليد الحكم، وهو تطلع يتنافى حتى مع الجغرافيا وشبكة وقواعد الولاء إذا قارنا تأثير من يحكم من أبو ظبي بمن يحكم من الرياض، أي السعودية التي ليس من أقل مواردها كونها "الأراضي المقدسة ومقعد خادم الحرمين الشريفين!"

حين أراد الرئيس ترامب بعد لقائه مع أمير الكويت تشجيع الأطراف المعنية على المصالحة، لم يتصل بكل زعماء الدول الخمس (أربعة وقطر) ولكنه اتصل هاتفيا فقط بالثلاثة الفاعلين: أمير قطر الشيخ تميم، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد.

لكن أمير قطر لم يتصل إلا بالأمير بن سلمان، وهو ما يعنيه في كل الأزمة لأن خصومته الرئيسية وتنافسه على النفوذ في المنطقة لم يكن مع بن سلمان ولكن مع رجل أبو ظبي القوي محمد بن زايد، وإلا أصبحت المواجهة عملية انتحارية! وسواء كانت المكالمة الفردية هذه اختبارا للمكانة الجديدة للحاكم الفعلي الوحيد في السعودية ومدى ملئه لفراغ رحيل عمه الملك عبد الله، أم نكاية في انتهاء دور أبو ظبي في انتحال شخصية "الكبير" في المنطقة، فإن رهان قطر على هذه المكالمة قد فشل. وأعطى تخريب إعلام الحرس القديم في قطر لمضمون ومغزى المكالمة التصالحية، أعطى الفرصة والمبرر لأبو ظبي كي تحرج حليفها الجديد في الرياض وتؤكد له بالتصرف الإعلامي القطري أنه تسرع في اتخاذ قرار المفاتحة للمصالحة منفردا.

أخيرا أقول: بالطبع لن ينزل بيسر وهدوء من صعدوا أعلى الشجرة بإعلامهم في الدول الأربع المقاطعة لقطر بمجرد مكالمة من تميم أو تفاؤل من ترامب بسهولة مهمة المصالحة الخليجية، لكن الأصعب والأهم في حل الأزمة سيظل معرفة من يحكم داخل قطر ومن يحكم المنظومة الخليجية، أو كبيرها الجديد: بن سلمان أم لا يزال المؤقت: بن زايد!

ـــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG