Accessibility links

نبي العراق" الشيخلي، ماركة مسجّلة!


عبد الستار إبراهيم الشيخلي - صورة من الكتاب

بقلم نبراس الكاظمي/

هذا من أغرب الكتب التي قمت باقتنائها في شارع المتنبي، إذ إنه في مجمله دعاية على شكل كتاب للإشادة بقابليات عبد الستار إبراهيم الشيخلي (ولادة محلة باب الشيخ ببغداد سنة 1913، تاريخ ومكان الوفاة غير معلوم) في قراءة الكف و"علم" الفراسة. ما نستطيع استدلال عليه من الكتاب هو أن الشيخلي المعروف أيضا بكنيته "أبو باسل"، خدم في السلك العسكري إلى أن تم تسريحه سنة 1946. ويبدو أيضا أنه كان شاعرا شعبيا لتضّمن الكتاب على شهادات واشعار عديدة بحق الشيخلي من شعراء شعبيين كان يخالطهم في مجالسهم.

والغاية من الكتاب هي ترسيخ موقع الشيخلي كقارئ الكف الأول في العراق، ورائد تجديد علوم الفراسة فيه. ولدينا إشارة في إحدى مجلدات الباحث التراثي عزيز الحجية ("بغداديات"، الأجزاء السبعة، 1967-1999) إلى أن الشيخلي كان أشهر قارئ كف في زمانه، إلى درجة أن هناك من قال فيه "أنك أشهر من أن يعرّف في سطور لقد مارست علم الكف وقراءة الوجه فكنت خير من مارسها في عصره وأطلق بعضهم عليك "نبي العراق" لنبوغك في مهنتك وأنت بحق أهل لهذا الاسم ..." (ورد هذا في شهادة "الشاعر الشعبي الأستاذ المضمد" محمود أمين، ص 151 من كتاب سيرة الشيخلي)!

وأورد "نبي العراق" هذا شهادات إضافية من طرف حوالي مئتي شخصية من "مشاهير أقطاب العلم والدين والإدارة في عراقنا"، وقام بجمعها في هذا الكتاب الدعائي، مزيّنة بتصاوير أغلبهم، ومن ضمنهم شيخ الطريقة السهروردية، وآية الله عبد الكريم الزنجاني، ومفتي الديار العراقية، وقائما مقام الفلوجة ورانية وعنة وعلي الغربي وتكريت وعفك والنجف، ومعاون متصرف (محافظ) الديوانية ونظيره في الموصل، ومتصرف لواء الكوت سابقا، ومدراء نواحي في شتى بقع العراق، ومرتّب الحروف في مطبعة المعارف، والحاكم (القاضي) الأول في أربيل، وعميد جمعية الرابطة العلمية الأدبية في النجف، ومدراء شرطة وضباط الجيش، ورؤساء بلدية، ومحامون، وشعراء شعبيون لربما لم يصلنا شيء من نتاجهم أو ذكرهم إلا ما نشر في هذا الكتاب، وأطباء ومصرفيون ومهندسون، كلها قيلت في حق هذا "الشاب العصامي الذي لم يدخن ولم يعاقر عمره خمرة وهو الخصم العنيد للموبقات والمعاصي نظرا لقوة الإيمان الكامن تحت أضلعه، وهو بالإضافة إلى فنه السامي فله روح فياضة ملؤها الغيرة الوطنية والقومية".

وقد تلقى مديحا بأبيات شعر باللغة التركمانية أيضا، على لسان شاعر شعبي من تلعفر، وإشادات أخرى من طرف"الحاج" عباس الديك، بطل العراق في المصارعة، و"أمير الغناء العراقي" محمد القبانجي. أما القنصل الإيراني العام في العراق نصر الله بهنام فقد قال في حقه "إن الاستاذ الألمعي السيد عبد الرزاق الشيخلي رجل متفرس نادر وعبقري صادق وفنان موهوب موفور القوة والصحة ذو مواهب وقابليات عظيمة يفيض ذكاء وحيوية امتاز بجمال الطلعة وصفاء العينين ورخامة الصوت وله إلمام كاف في علم الكف وقراءة الوجه ولقد كانت كلماته مطابقة للواقع حين رؤيته كفي..."

ومن يطالع هذا الكتاب سيستنتج أن الشيخلي "ماركة مسجلة" وأن لا أحد يستطيع منافسته على عرش قراءة الكف العراقي!

وفي سعيه هذا، فهو يوازي أشهر قارئ كف في العصر الحديث، الأيرلندي وليام جون وورنر (توفي 1936) ، والذي جعل من اسمه الوظيفي "چييرو" ماركة مسجلة عالميا، والذي ادعى أنه تعلم أسرار الشرق في قراءة الكف من الهند ومن الرُقُم الكلدانية، فاستشاره وشهد له المشاهير، مثل مارك توين، وأوسكار وايلد، والجنرال كيشنر، وأفراد العائلة المالكة البريطانية، والمخترع توماس أديسون، ورئيس الوزراء غلادستون. ثم توفي في مدينة هوليوود بولاية كاليفورنيا، وأشار النعي الذي نشرته مجلة تايم حينها إلى أنه استطاع استحصال 250 ألف دولار (بقيمة الدولار في ذلك العصر!) من سيدات المجتمع، وكان يملك جريدة في باريس صادرة باللغة الإنكليزية، وألف العديد من الكتب حول علوم قراءة الكف، بل أن بعضها لا يزال تحت الطبع في وقتنا هذا!

وكتاب الشيخلي أيضا يدلنا على سمات اجتماعية وثقافية قد تكون مخفية في ما يعرف بعصر النهضة في بلدان الشرق الأوسط، ومنها العراق، والتي عادة ما تمتد من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. فمن السمات البارزة أن الكتاب جمع شهادات من رجال دين سنة وشيعة، ورجال دولة عرب وكرد وتركمان، وأصحاب مهن مختلفة، وفئات اجتماعية متنوعة من طبقة "كادحي" البناء والمعمار والذين كانوا يزاولون "صنعة" الشعر الشعبي كهواية (مثلا، ما أورده الكتاب من زجل ما بين الشاعرين الشعبيين البناء مجيد لطيف القيسي والمعمار حسن على الوردي في سنة 1960، عن فراسة ومقدرة الشيخلي). وفي استعراض هذه الشهادات هناك دلالات مهمة عن تعريف "الوجاهة" في المجتمع العراقي آنذاك حسب بيئة الشيخلي، ولكن في نفس الوقت، هناك غياب واضح لأقليات اخرى مثل المسيحيين واليهود وغيرهم، ولا وجود قط لشيوخ العشائر، لربما كان ذلك بسبب الظرف السياسي في الستينيات حيث كانت تحسب الوجاهة العشائرية من بقايا العهد الملكي "البائد".

ينقل لنا الكتاب أيضا بعض اللمحات من تفكير المجتمع، وما كان يؤثر فيه من أخبار عالمية وكيفية فهمها آنذاك، فمثلا، المرأة الوحيدة التي جاءت شهادتها في الكتاب هي الأستاذة ساجدة فؤاد، مدرسة في مدرسة الساعي في العشار في لواء البصرة، والتي باتت تؤمن بأهمية قراءة الكف لأنها "تذكرت كيف زار أحد علماء قراءة الكف المستر غاندي فيلسوف الهند العظيم وزعيم الشرق بلا منازع وأنبأه بأنه سيقتل برصاصة أحد أبناء وطنه، فابتسم الفيلسوف ولا أدري ماذا جال في خاطره في ذلك الوقت ولكن الحضور استهزؤوا وضحكوا ومرت سنين وكنت آنذاك في لبنان، عندما نقلت مقالات الأنباء مقتل الفيلسوف الزعيم برصاص أحد مواطنيه اهتز العالم لهذا النبأ".

ويبدو أن المقصد الثاني من هذا الكتاب هو إضفاء صفة العلمية على ممارسة قراءة تعرجات خطوط وتجاعيد الكف، والفراسة، وأن هذين المجالين ليسا حكرا على شعوذة ودجل الغجر والقرج والنوّر وعشائر الصلبة ما بين بدو الصحاري، بل وكما يفيد أحد الشهود، استقراء ملامح الوجه (الفراسة) هي من العلوم الغربية التي سبر بحارها "فيري وجرفالو ولمبروزو وبونك وبكاريا وأدولف ماير". ولعل أول انتقالة جعلت من الفراسة "علما" في بلدان الشرق الأوسط، من بعد أن انتشر صيتها في أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر، كان كتاب الأديب اللبناني جرجي زيدان "علم الفراسة الحديث" الصادر في مصر سنة 1901. ويبدو أن هذه الانتقالة من أوروبا أضفت لمسة عصرية على هذا المجال والمصطلحات العلموية التي باتت تصفه من وزن "الفسيوجونومية" او "انثروبوسكوبي"، وهذه اللمسات كانت اكثر تحفيزا لرواده من تلك الممتدة إلى الإرث الإسلامي في هذا المنوال، مثل كتاب الفراسة لابن قيم الجوزية، أهم تلامذة ابن تيمية، أو الإرث الإغريقي الكلاسيكي مثل ما نقله أرسطو، ناهيك عن ممارساته الشعبية من فتاحي الفال والاستخارة وقراءة الفناجين وشتى أساليب التنجيم واستطلاع الغيب منذ بداية التجمعات البشرية في أحواض الرافدين والنيل وبلاد الهند والصين.

ويبدو أن الشيخلي سعى إلى إضفاء هذه العلمية على ماركته المسجلة من خلال استحصاله على دبلوم في"الفراسة والكف" سنة 1959، وذلك بالمراسلة من مدرسة العلوم النفسية والروحية، التابعة لمدارس المراسلات المصرية، ونشر صورة عن الدبلوم في كتابه هذا. كما سعى إلى التأليف في هذا المجال ونشر الكتب، فنعرف أن لديه كتابا آخر بعنوان "علم الكف والفراسة الحديث" يقع في حوالي 300 صفحة. صدر أولا سنة 1949، ويبدو أنه كان رائجا إذ صدرت منه الطبعة السابعة سنة 1957. كما له كتاب آخر بعنوان " تحليل الشخصية وكيفية تعرف قواعد فراسة الوجه والرأس والقدم" صدر سنة 1955 في 173 صفحة، وحسب الدعاية التشويقية عنه، فإنه "الكتاب الذي أصبح موضع جدل العلماء ومفكري الإسلام بين أنصاره وخصومه ومثار افتتان الشعوب في كل زمان ومكان"!

كما وردت دعاية في الصفحة 132 من الكتاب الذي بين أيدينا حول اقتراب صدور الطبعة الثانية من كتاب "سفينة الأفراح، اضحك تسمن، الضحك فن يجب أن يعتاده كل إنسان، الضحك موسيقى الأرواح"، ويزيدنا تشويقا أنه سيحتوي على "حديقة أزهار من حكم ومواعظ وفكاهات، موسيقى نوادر وملهاة، فن ذوق ومنولوجات، ثقافة تجارب وإرشادات، علم أدب ونكات ..."

ويبدو أن هذا الكتاب الأخير مفقود من المكتبات العراقية، إذ لا وجود له في الفهرس العراقي الموّحد.

ـــــــــــ

العنوان: سيرة الروحاني وقارئ الكف عبد الستار الشيخلي

عدد الصفحات: 412، ولكن نسختي تفتقد للصفحات 1-8

تاريخ الطبع: غير معروف، على الاغلب سنة 1963، بغداد

للاطلاع على الكتاب اضغط على الرابط:

http://www.imarawatijara.com/sheikhly.pdf

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG