Accessibility links

هل يسير التاريخ باستقامة أم في دوائر؟


هل يتحرك التاريخ دوماً للأمام؟

بقلم جمال أبو الحسن/

أحد أكثر الأسئلة إثارة بشأن التاريخ وحركته يتعلق بما إذا كان له منطق. هل هناك نمط معين لمسار التاريخ؟ هل بالإمكان استنباط "محركات أساسية" لمسار التاريخ الإنساني؟ هل هناك اتجاه ومحطة وصول نهائية؟ هل هناك معنى أو مغزى من وراء الأحداث التاريخية؟ هل تتحرك البشرية نحو غاية بعينها؟ هل يُمكن اكتشاف هذه الغاية؟ هل هناك حتمية في التاريخ؟.. بكلام آخر: هل كان ينبغي لكل ما حدث .. أن يحدث بالضرورة؟

أيضاً: هل يسير التاريخ في مسار مستقيم، أم ربما في دوائر؟ هل يتحرك التاريخ دوماً للأمام؟

لا إجابة واحدة على هذه الأسئلة. هي تنتمي إلى الباب الذي يُعرف بفلسفة التاريخ؛ أي قراءة التاريخ لا بوصفه سلسلة من الأحداث، بل باعتباره يعكس مغزى أعمق وحقيقة غامضة لابد من البحث عنها. الفيلسوف الألماني هيجل هو أشهر من تعرضوا لهذا الباب. هو رأى أن التاريخ يتجه نحو غاية بعينها هي تحقيق الحرية البشرية. كان هيجل مقتنعاً بأن ثمة منطقا في التاريخ، ولكنه "منطق كامن".

فلاسفة عصر الأنوار اعتبروا أن حركة التاريخ تكشف عن التقدم الإنساني. هذا هو المسار، وذلك هو الطريق. هو طريق حتمي صاعد دوماً. الحتمية هي طريقة معينة للنظر للتاريخ باعتباره يسير بالضرورة إلى غاية معلومة. كارل ماركس قرأ المراحل التاريخية والقوى المحركة لها من زاوية اقتصادية. "أنماط الانتاج" هي التي تحدد حركة التاريخ. هذه الأخيرة سائرة في طريق الشيوعية، حتماً.

الفكر الديني، في الحضارات الإنسانية كافة، اعتبر أن التاريخ يكشف عن حكمة إلهية عليا. إنه يعكس مساراً خطه الإله للبشر لحكمة قد يفشل الناس في فهمها أو الإحاطة بها إحاطة جامعة. هذه التفسير الديني لحركة التاريخ ينزع عنه المسؤولية الإنسانية. يعتبره "خطة سماوية" لا دور للبشر فيها سوى التمثيل على المسرح.

في الحضارة العربية، ارتبط اسم ابن خلدون بفلسفة التاريخ. هو لم يكتفِ باقتفاء أثر من سبق من المؤرخين، كالطبري وابن كثير وغيرهما. بل سعى إلى استنباط الاتجاهات العامة والمحركات الرئاسية لمسار التاريخ البشري. يقول ابن خلدون إن التاريخ "في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بأن يعد في علومها وخليق".

ما أهمية هذه الأسئلة بخصوص حركة التاريخ وفلسفته والغاية من ورائه؟ هي –ببساطة - تساعدنا في معرفة مكاننا على خريطة الزمن الكبرى. تعيننا في الإجابة على أكثر الأسئلة إلحاحاً على الذهن البشري: من أين وإلى أين؟. السؤالان مرتبطان ببعضها بصورة وثيقة. لن نعرف الإجابة على "إلى أين نسير؟"، قبل أن نفهم "من أين جئنا؟".

اليوم نعرف أن تاريخ الإنسان العاقل (هوموسابينس) يعود إلى نحو 300 ألف سنة. في شهر يونيو/حزيران الماضي (2017) أعلن العلماء العثور على حفريات عمرها 300 ألف سنة في جبل إرحود غرب مدينة مراكش المغربية. العلماء يرون أن هذه الحفريات هي أقدم بقايا للإنسان العاقل. هم يعتبرون أن العثور على هذه الحفرية يمثل تطوراً كبيراً في تاريخ البشرية. أقدم الحفريات التي كان قد عثر عليها في السابق تعود إلى 195 ألف سنة. من الواضح أن تاريخ الإنسان على الأرض أقدم مما كنا نعتقد. ربما لن نعرف على وجه اليقين من أين جئنا، وكيف ومتى –بالتحديد- ظهرت الأشياء التي تميز الإنسان العاقل عما عداه من "الرئيسيات" الأخرى. على أننا نعرف أن هناك جيناً معيناً مسؤولا عن الكلام واللغة اسمه VOXP2. يرتبط تاريخ ظهور هذا الجين ببدايات تسارع التقدم الإنساني وظهور بشر يفكرون –إلى حد بعيد- بنفس الطريقة التي نفكر بها اليوم. حدث ذلك منذ حوالي 30 ألف سنة. كانت تلك هي الثورة الأهم في تاريخ البشر. ما يعرف بثورة الوعي أو الإدراك. اللحظة التي بدأ الإنسان يستخدم فيها اللغة للتعبير عن أشياء ومعان مركبة. اللغة تسهل تناقل المعرفة. تفتح الباب أمام ما يسمى بعملية "التعلم الجماعي". هذه العملية لا زالت متواصلة إلى اليوم بعد أن تسارعت وتكثفت بصورة فاقت الخيال.

ربما يكون هذا هو مسار التاريخ الذي نقصد؟ فكر في الأمر قليلاً: كل ثورة كبرى في تاريخ البشر ارتبطت بتطوير نظام معين للاتصال ونقل المعرفة. الثورة الإدراكية أو المعرفية ارتكزت على ظهور اللغة، والتي سمحت بدورها بتوصيل الأفكار والرموز المعقدة بدلاً من الإشارات الصوتية ولغة الجسد. الثورة الزراعية ارتبطت – في مرحلة لاحقة وحول 3500 ق.م تقريباً - بظهور الكتابة، وهي وسيلة غير مسبوقة لنقل المعرفة من الماضي إلى الحاضر، وعبر مساحات جغرافية شاسعة، وعبر الأجيال المختلفة. ثورة الحداثة ارتبطت بالمطبعة، وهي تسريع وتكثيف لنقل الأفكار والمعلومات. في عصر الصناعة، ظهر الهاتف والمذياع، وصولاً إلى الإنترنت. ربما تكون القفزة اللاحقة هي – بكلام "ميشيو كاكو" مبسط العلوم الشهير- "إنشاء شبكة دماغية كوكبية يجري فيها تبادل الطيف الكامل من الأحاسيس والعواطف والأفكار على المستوى العالمي".

نظم الاتصال البشري ربما تكون مفتاحاً لفهم مسار التاريخ. يقيناً هي ليست المفتاح الوحيد. قصدتُ أن أضعها أمام ناظريك، عزيزي القارئ، للتحفيز على التفكير. على أن هذا كله لا يجيب عن السؤال/ المعضلة: هل للتاريخ غاية أو محطة وصول نهائية؟ .. ربما لن نعرف الإجابة أبداً!

ــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG