Accessibility links

بقلم كوليت بهنا

على مدى قرن كامل، أتحفتنا سينما الرعب الأميركية بمئات الأفلام عن دراكولا وفرانكشتاين والسفّاحين المرضى نفسياً، والطيور والأسماك القاتلة والأموات الأشرار الذين يخرجون من قبورهم لينغّصوا بحقد غير مفهوم على هدوء حياتك، والبيوت المسكونة وفنادق الأشباح التي لا تنتهي. وحين كشفت أسرار صناعة هذه الأفلام ولم تعد تؤدي غرضها الفاقع في إثارة الذعر، تحوّلت مخيّلة صنّاع السينما إلى اختراع شخصيات أكثر ملاءمة للعصر استخدمت فيها أحدث التقنيات لإنتاج المسوخ البشرية والهلامية والكائنات الفضائية والدجاج القاتل والديناصورات والعناكب والدمى التي تتقمصها العفاريت، مع بعض التحولات في قصص الأشباح وتقديم بعضها كصديقة للأحياء مثل فيلم (Casper, the friendly Ghost) .

صناعة الخوف التي أبدع فيها ملك الرعب (هيتشكوك) وكُشف بعد موته أنه صنعها لأنه كان أكبر جبان، لم تنحصر بالإنتاج الأميركي الأكثر غزارة، بل أنتجت أيضا من دول مثل الهند وفرنسا وروسيا، ومصر التي عرفت صناعة هذه الأفلام في وقت مبكر من مرحلة الخمسينيات بتقليد حرفي للعديد من الأفلام الأميركية أو اقتباس روايات عالمية مثل (فاوست)، وبدا تقليدها متقناً بحسب إمكانيات السينما المصرية آنذاك، التي استمرت حتى اليوم بإنتاج أفلام يتمحور معظمها حول السحر والجان والشياطين، تُقتبس قصصها من حوادث يُزعم أنها حقيقية وتحفل بها الصحافة المصرية.

أفلام تعود للذاكرة مع كل موسم (هالووين) وتبادل روابط لأكثرها رعباً، مع ملاحظة أن العالم أحيا المناسبة هذا العام في دول عدة، بما فيها دول إسلامية تعتبر هذه المناسبات بدعاً، بحفاوةٍ ومبالغة واضحتين، عبر اجتراح أكبر قدر من المرح المصطَنع، في محاولة تجميلية واضحة للتخفيف من وطأة رعب الإرهاب العابر للقارات الذي بات مسيطراً كهاجس وعدو أوحد للبشرية، طارحاً نفسه كـ (بعبع) حقيقي غير وهمي أو سينمائي، يتغلغل بين الناس الآمنة في كل الأماكن، يلبس لبوساً مختلفة، كأن يكون جارا لك في البناء، أو صديقا في فيسبوك، أو زميلا في العمل، أو راكبا إلى جوار مقعدك في القطار أو الطائرة، أو يحتسي معك كأس ويسكي في أحد البارات ويرفع نخبك قبل أن يفتّتك إلى قطع.

الإرهاب الذي تستغل جماعاته أحدث التطورات العلمية والتقنيات والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي لخدمتها، يستعملون أيضاً- بصفاقة- تقنيات الفيديو وأدوات السينما لتصوير أعمالهم الإجرامية بحرفية ملفتة، عبر الاعتناء الواضح بكادرٍ خاص، أو ديكورات طبيعية كخلفية مشهدية مؤثرة، مثل الفيلم الذي بثّ عن قطع رؤوس العمال الأقباط على أحد الشواطئ الليبية الخلابة قبل عامين، بحيث بدا التناقض الموجع والصارخ بين جمال المشهد الطبيعي ووحشية ما يحدث أمام الكاميرا. كما لا يفوتهم أن يعتنوا بملابسهم كأبطال، وملابس الضحية كضحية ذات أداء غير حرّ، دون أن يسهوا عن استعمال المؤثرات الصوتية اللازمة لمنح أعمالهم البعد السينمائي المتكامل. ولنا في الأفلام التي أنتجها وبثها (داعش) خلال السنوات الفائتة أوضح الأمثلة الدموية، بحيث بدت أفلام الرعب التقليدية التي أنتجتها السينما العالمية، وكأنها أفلام هزلية تثير الضحك أمام جهنمية ما أنتجه الإرهابيون، وأثاروا معه كل ما يعتري الإنسان الطبيعي من مشاعر خوف وفزع وهلع وجزع ووجل ورعب لم يسبق له مثيل، إذ كان الإرهابيون في السابق لا يتعدون بضعة أفراد معروفين يتحركون في بعض الدول لأسباب وأوامر خاصة لا تتجاوز تفجير سيارة أو اغتيال أحد الأشخاص، ولم يكونوا على هذا القدر من التنظيم كجماعات لا حدود لتشعباتها ومموليها وداعميها، يتناسلون منذ الثمانينيات كسرطان خبيث يقض مضجع البشرية ليل نهار.

فاتني أن أخبركم أن إيران أيضاً تنتج أفلام رعب سينمائية، أليست مفاجأة تناسب (الهالووين)؟

----------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG