Accessibility links

ردود فعل الجماعات الإرهابية بشأن القدس


مسجد قبة الصخرة في مسجد الأقصى بعد الانتهاء من أعمال الترميم (أ ف ب)

بقلم محمد مختار قنديل/

"أما أميركا فأقول لها ولشعبها كلمات معدودة: أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد، لن تحلم أميركا ولا من يعيش في أميركا بالأمن قبل أن نعيشه واقعا في فلسطين وقبل أن تخرج جميع الجيوش الكافرة من أرض محمد. والله أكبر والعزة للإسلام".

تلك هي الكلمات التي صرح بها أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة في عام 2001 بعد أيام على أحداث 11 سبتمبر، والتي توعد فيها الولايات المتحدة الأميركية مستغلا القضية الفلسطينية حجة ومسوغا لهذا التوعد. ومع كل تطور جديد في القضية الفلسطينية تخرج تلك الجماعات بيانات وإصدارات تحذيرية وتهديدية.

وعلى نفس خطى أبيه قال حمزة بن لادن في بيان أصدره تنظيم القاعدة العام الماضي بعنوان "القدس عروس مهرها دمنا"، إنه لابد من التركيز على سوريا باعتبارها بوابة رئيسية لتحرير الأراضي الفلسطينية. وهناك بيانات أخرى للقاعدة تصف فيها (تحرير فلسطين) بأنه الهدف الأكبر.

وفى عام 2013 نشر توماس هيغامر وآخرون دراسة بعنوان "تأثير فلسطين: دور الفلسطينيين في الحركة الجهادية العابر للحدود"، خلص فيها إلى أن الفلسطينيين يشكلون نسبة ضئيلة في تنظيم القاعدة مقارنة بغيرهم من الجنسيات، رغم أن مسألة تحرير القدس كانت من ركائز تأسيس تنظيم القاعدة.

على الجانب الآخر لم يحظ موقف تنظيم داعش من القضية الفلسطينية باهتمام كبير من الباحثين والمحللين، ولكن في دراسة لها، استنتجت الباحث الفلسطينية الهولندية "سمر بطراوي" أن تنظيم داعش لم يختلف عن تنظيم القاعدة في اهتمامه بالقضية الفلسطينية، فغالبا ما ظهر تحت مسميات "بيت المقدس، أرض المسرى". وقد أصدر التنظيم أيضا العديد من البيانات حملت العناوين التالية: "رسالة إلى الآباء في ثالث الحرمين، رسالة إلى المجاهدين في بيت المقدس، أرهبوا اليهود يا أهل بيت المقدس، رسالة ترغيب ونصرة لأهلنا في أرض المسرى، واقترب الوعد، أين الثائرون في أرض فلسطين، أعيدوا الرعب إلى اليهود".

وفي الحقيقة، تجاوز داعش الحديث عن القضية الفلسطينية وأهميتها بالنسبة للتنظيم، إلى توجيه النقد للحركات الداخلية، كما جاء في أحد إصداراته" لا تنتظروا من فتح ولا من حماس نصرةً... فلا تلتفتوا إليهم، ولا تنظروا إليهم، فإن تصريحاتهم وشعاراتهم فارغة لا خير فيها".

الأدهى من ذلك أن تنظيم داعش لم يكتف بانتقاد الجماعات الداخلية وحسب، بل رأى أن كل من يضع القضية الفلسطينية في إطار وطني أو قومي يخرجها من إطارها، وبالتالي يصبح عدوا. يزعم التنظيم في أحد تصريحاته "أن الصراع مع اليهود هو صراع ديني وعقائدي، وليس قوميا أو وطنيا أو على أرض أو على حدود وضعها المستعمر".

وعقب خطاب الرئيس ترامب الذي قرر فيه نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ردت على تلك الخطوة ببيانات عديدة تنظيمات كبيرة وصغيرة تنتمي إلى السلفية الجهادية، أبرزها "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" الذي نشر له بيان يوم 7 من الشهر الحالي دعا فيه المسلمين في الأرجاء كافة إلى التحرك صوب القدس. أما تنظيم "داعش" فقد نشر في عدده 109 من جريدة النبأ مادة بعنوان "بيت المقدس إنْ أولياؤه إلا المتقون"، قال فيها إن الحديث عن القدس هو أمر لا يتخطى الشعارات من كل الداعين لذلك، ووضع التنظيم نفسه في موضع المدافع والمجاهد في سبيل جميع البلدان الإسلامية وليس القدس فقط. وتحت عنوان "الملتقى بيت المقدس"، أصدرت حركة الشباب المجاهدين بيانا دعت فيه عموم المسلمين إلى الجهاد بالنفس أو المال، وأشار البيان إلى أن التنظيم يوفر سبل الدعم كافة لمن يرغب ذلك من خلال إنشاء معسكرات التدريب على فنون القتال.

أما حركة حسم أو "حركة سواعد مصر"، فقد أصدرت أيضا بيانا حول خطاب ترامب، دعت فيه لإحياء الانتفاضة، واستغلت القضية الفلسطينية لتبرير أفعالها في مصر. وأكدت على أن القدس لن تحرر قبل تحرير القاهرة وأعلنت أن هدفها الأسمى والأبعد هو "تحرير المسجد الأقصى أو الاستشهاد على عتباته المقدسة، ويقيننا أن القدس لن تحرر أبدأ ما دامت القاهرة تحت الأسر"، بحسب بيانها.

وفي الإطار الاستغلالي نفسه، نشرت حركة "هيئة تحرير الشام" السورية بيانا بعنوان "بيان حول إعلان القدس عاصمة لليهود"، جاء فيه "إننا في الشام نعبر عن وقوفنا مع قضية القدس، لأنها قضية كل المسلمين والأحرار والشرفاء في العالم... ولكن الطريق إلى القدس تبين أنه الطريق إلى كل مدينة سنية في سورية، ففي الوقت الذي ينعم فيه «الإسرائيلي» بالأمان، تعيش مدن الشام ويلات تدمير النظام وحلفائه لها".

ويبقى السؤال، ماذا تعني القضية الفلسطينية للتنظيمات الإرهابية؟

اتخذت الجماعات المتطرفة القضية الفلسطينية كذريعة قوية نحو جذب المزيد من المتطرفين، ولكن في عرف الجماعات الإرهابية تتوقف أهمية القضية عند تلك النقطة. إذ تُستخدم لتبرير عملية التجنيد، ثم يتم توجيه المجندين نحو القيام بعمليات في مناطق أخرى وأهداف مختلفة، بدافع أن المستهدفين سواء عدو قريب أو بعيد يشنون حربا على الإسلام والمسلمين. وبذلك، يتعمق لدى المجندين مفهوم العدو ويتسع من إسرائيل إلى سائر الدول التي تريد هذه الجماعات استهدافها، وتدريجيا تتجاهل النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لتصبح مجرد شعارات وبيانات، مع تنفيذ عمليات في بعض الأحيان تستخدم القضية الفلسطينية كمحرك.

فعلى الرغم من حديث العديد من قيادات القاعدة عن فلسطين، كمنطقة فريدة، وبلغة عاطفية، خاصة أسامة بن لادن، إلا أن الرجل الثاني في القاعدة "أبو يحيى الليبي" كان لا ينظر لفلسطين نظرة مختلفة عن غيرها من المناطق والأماكن المستهدفة من قبل أتباع التنظيم والفكر السلفي الجهادي، كما جاء في إصداره "وقفات مع بيان العلماء حول غزّة." يقول الليبي في إصداره: "ونستخلص من هذا كله أن الجهاد إنما صار مشروعا وواجبا في فلسطين لا لأمر اختصت به عن سائر بلاد المسلمين المحتلة، فهذا الحكم الشرعي لم يثبت في حق فلسطين لبركة أرضها، ولا لوجود المسجد الأقصى فيها ولا لمزية تعلقت بأهلها وإنما مرد ذلك ومدارهُ على كونها أرضا للمسلمين داهمها العدو الكافر. وبناء على ذلك فحيث ما وجد هذا الأمر وتحقق هذا الوصف على أية بقعة من البقاع الإسلامية فإن الحكم فيها تماما كما هو الحكم في فلسطين سواءا بسواء". وأضاف الليبي: "كل من أراد أن يفرق بين بلد وبلد أو أرض وأرض أو جهة وجهة، فإنه يصادم إجماع العلماء القائم المحكم".

وأخيرا، إن مواقف تلك الجماعات من خطاب ترامب، تنذر بحصول عمليات قريبة في الولايات المتحدة والدول الحليفة لها. ستنفذ هذه العمليات من أجل القدس شكليا، ولكن هدفها الأساسي تحقيق أهداف أخرى وفقا لمصالح كل جماعة بالأساس. ومع ذلك، فإن الأخطر من تلك العمليات هو أنه مع كل تطور في الوضع بفلسطين تخرج العديد من التحليلات والآراء تنتقد الجماعات الإرهابية ـ الجهادية وتنتقد موقفهم من القضية الفلسطينية وغيابهم عن الساحة هناك.

وعلى الرغم من انه لا خلاف على أن تلك الجماعات جماعات إرهابية تصرفاتها وأفعالها لا تمد بصلة للصواب، حتي ولو وجهت مدافعها نحو "إسرائيل" ، إلا أن خطورة التساؤل عن دور تلك التنظيمات الجهادية في ما يخص القضية الفلسطينية، تكمن في أنها ربما تدفع مثل هذه الجماعات أو جماعات إرهابية أخرى للتحول من مجرد الحديث عن القضية في الأدبيات والإصدارات الإعلامية إلى عمليات على الأرض على غرار تحرير بلاد الأفغان، خاصة وأن المنطقة تشهد تراجعا واضحا وقرب نهاية للقيادة المركزية لتنظيم داعش. وهذا ما قد يرفع أعداد المنضمين لتلك الجماعات بدافع تحرير فلسطين، ربما يزيد من أعداد المتطرفين في المنطقة.

وربما تنطلق الجماعات الإرهابية من مبدأ "استغلال الظروف" وتعيد هيكلة ذاتها والتبلور في إطار القضية الفلسطينية خاصة وأن تنظيم القاعدة يريد العودة والسيطرة على المشهد مرة أخرى. لذا فإن طرح مثل هذه الأسئلة يمكن أن يترجم في إطار عرف الجماعات الإرهابية كنوع من أنواع الدعم، وكمدخل لنشاط جديد في الوقت الذي تستفز فيه تصريحات ترامب مشاعر المسلمين في مناطق مختلفة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحكومات العربية وكذلك حركة حماس ترفض بصورة قاطعة تواجد عناصر للسلفية الجهادية بفلسطين. ولعل هذا ظهر بوضوح في إسناد مهمة الحوار مع الشباب التابعين لتلك الجماعات بفلسطين إلى القيادي بحماس "يونس الأسطل" الذي عقد حوارا مع أتباع السلفية الجهادية لدفعهم نحو انتهاج الفكر الوسطي والابتعاد عن العنف. كما ظهر هذا الأمر أيضا في العمليات الأمنية تجاه الجماعات المنتمية للسلفية الجهادية عقب تنفيذ أحد عناصرها عملية إرهابية على الحدود المصرية الفلسطينية بتفجير نفسه عند حاجز الأمن الفلسطيني في آب/أغسطس 2017.

وبالتالي، يجب على وسائل الإعلام أن تشرح وتحذر وتعمم الوعي للتأكيد على أن هذه الجماعات تستخدم فقط القضية الفلسطينية كذريعة لتجنيد المقاتلين الذين يقومون بعمليات خارجية لا صلة لها بالقضية أو تؤثر داخليا على حياة المواطنين الفلسطينيين.

محمد مختار قنديل هو كاتب وباحث مصري متخصص في شؤون الجماعات المتطرفة.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG