Accessibility links

دموع.. في النيل!


المدون وائل عباس أحد الذين جرى اعتقالهم مؤخرا

بقلم فارس خشّان/

لا يكاد يمر يوم إلا وتقرأ في واحدة من لغات العالم أخبارا عن التدهور في وضعية حرية التعبير في مصر. ولا تخلو كل هذه الأخبار من التذكير بثورة "الرغيف، والحرية والعدالة الاجتماعية" التي سبق لها وأسقطت حكم الرئيس حسني مبارك.

وفي هذا التذكير حكمة، فأبرز من تقدم السلطات المصرية على اعتقالهم هم مدونون وصحافيون وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، كان لهم دور بارز في ثورة يناير 2011.

ويظهر بوضوح أن الاعتقالات في مصر، على خلفية التعبير، قد تمددت في الآونة الأخيرة لتشمل شخصيات مدنية ويسارية، أي من تلك الفئة التي لا تشملها "لعنة الإخوان المسلمين".

في مصر كما في غيرها إحباط وإحياء للمعتقلات وقمع ورقابة وتدهور قيمي وتفاقم للفقر ونمو للفساد

ويؤدي ذلك، بطبيعة الحال، إلى فتح سجل مصر في مسألة الحريات الإعلامية ككل؛ الأمر الذي يسلط الضوء على الهيمنة المطلقة للسلطة على التلفزيون والإذاعة، والسيطرة الكبيرة ـ ولو لم تكن شاملة ـ على الصحف التي تمارس القلة "المتفلتة" منها أشد أنواع الرقابة الذاتية.

وفتح هذا السجل يستدعي، بطبيعة الحال، إجراء مقارنة وضعية مصر اليوم بما كانت عليه في فترة حكم حسني مبارك، كما بالفترة الوجيزة التي حكم فيها الرئيس المسجون محمد مرسي.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان وأوروبا وأحدث العقوبات

وبالاستناد إلى أقوال "ثوار يناير"، فإن "مصر" التي انقلبوا عليها، كانت في موضوع حرية التعبير على الأقل، وعلى الرغم من كل الارتكابات، أفضل حالا مما هي عليه اليوم.

ولا يتأخر هؤلاء عن الإعراب عن إحباطهم مما آلت إليه أحوال ثورتهم، إذ اكتشفوا أن القوى المنظمة استغلتهم لإحكام سيطرتها على البلاد من دون أن تأبه بشعاراتهم أو بتطلعاتهم أو بآلامهم أو بتضحياتهم.

ويعتبر هؤلاء أنه بعيد انتصار "ثورة يناير" وضع "صانعوها" على الهامش، لينطلق الصراع بين فئتين: تنظيم الإخوان المسلمين من جهة والجيش من جهة أخرى.

وصورت هاتان الفئتان، بشكل تلقائي، أي انتقاد لسلوك طرف، وكأنه مناصرة لطرف آخر. وبهذا المعنى، أصبح كل انتقاد للسلوك الأمني وكأنه انتصار لتنظيم الإخوان المسلمين المدرج على لائحة الإرهاب، فتساوى، بذلك، من يفترض به أن يعمل لتحسين المسار السياسي والقضائي والأمني والإداري بالإرهابيين.

وعليه، فإنه باسم الاستقرار يفترض أن تنتهي المنافسة السياسية، ويسود "صمت القبور"، ويهيمن فريق واحد، بشكل مطلق، على كل مقدرات الدولة.

وباسم الاستقرار نفسه، باتت دموع "الثوار" مصدرا جديدا ـ وإن متسترا عليه ـ للنيل.

ولكن هل هذه حال مصر وحدها، أم أن مصر ـ ولو كانت أكبر الدول العربية ـ هي جزء لا يتجزأ من الحركة العكسية للدومينو التي تعاني منها المنطقة ككل، تماما كما كانت مصر جزءا لا يتجزأ من "دومينو" الربيع العربي؟

هذا السؤال مبني وفق صيغة "تجاهل العارف"، فشعوب المنطقة العربية التي حلمت بالربيع استيقظت على أعنف عاصفة من عواصف "الرياح الخمسينية"، فتم استغلال الثوار غير المنظمين وغير الجاهزين من قبل مجموعات منظمة.

وخشيت هذه المجموعات المنظمة على نفسها من "الحلم الثوروي"، فانقضت عليه، تارة بحجة الاستقرار وطورا بحجة مكافحة الإرهاب.

و"الثوروي" الذي يتوسله اللاهث إلى السلطة، يعاديه من يصل إليها، لأنه سيتعبه بالتذكير بالمبادئ وسيتسبب، عاجلا أم آجلا، بإقصائه عملا بقواعد الحكم الرشيد.

والمتصارعون في المنطقة العربية هم من طبيعة واحدة. خلافهم ليس على المبادئ إنما على السلطة.

وهنا تكمن مأساة الثوار، إذ إنهم يكتشفون ولكن بعد فوات الأوان، أن فريقا نجح في استغلال اندفاعهم نحو تحقيق أحلامهم، لينفذ مشاريعه هو وحصرا هو.

بعيد انتصار "ثورة يناير" وضع "صانعوها" على الهامش، لينطلق الصراع بين تنظيم الإخوان المسلمين الجيش

ومشاعر الإحباط هذه تلمسها، وكأنها مستنسخة استنساخا، في مصر كما في لبنان وسورية وليبيا واليمن و"بعض تونس" وصولا إلى الجزائر.

"الثوّار" يتحملون مسؤولية واحدة في ما آلت إليه أحوالهم، وهي عدم إدراكهم العميق لأهمية تنظيم أنفسهم.

ولكن المسؤولية الأكبر تقع على الخبث الدولي، حتى لا نقول أكثر.

صحيح أن الدول الكبرى تتحدث ليلا نهارا عن الديمقراطية ولكنها في تعاطيها مع العالم الثالث، لا تفتش إلا عن الاستقرار الذي تؤمنه الأيادي الحديدية المتسترة بالكفوف المخملية المسماة "صناديق اقتراع". الطريق إلى هذه الصناديق يرسم ملامح الديمقراطية أو الديكتاتورية. الدول الكبرى لا تهتم بذلك، فهي ترحب بأي طريق يسلكه أصحاب الأيادي الحديدية.

اقرأ للكاتب أيضا: '... ولكن خسرنا!'

إذن، في مصر كما في غيرها، إحباط وإحياء للمعتقلات وقمع ورقابة وتدهور قيمي وتفاقم للفقر ونمو للفساد.

لكن، وفق مدرسة التاريخ، ليس في كل ذلك أي استثناء. هذا ما عانت منه كل الثورات بعد نجاحها المرحلي، ولنا في مدرسة الثورة الفرنسية أكبر البراهين وأكثر الأدلة.

مشاعر الإحباط هنا ومضار "الارتجال" هناك، من المحتم أنها سوف تثمر يوما.

الحكام الأذكياء ـ إن وجدوا ـ يهرعون قبل الحالمين إلى كتب التاريخ، ليحدثوا بأنفسهم التغيير، فينقذوا أنفسهم و...سمعتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG