Accessibility links

طهران ستنتصر إذا انسحب ترامب من الاتفاق النووي


ترامب خلال لقائه مع قادة دول البلطيق (أ ف ب)

بقلم دينيس روس/

لم أكن من محبي الصفقة النووية الإيرانية. ورغم أنها فرضت قيودا على برنامج طهران النووي، إلا أنها شرعت أيضا بنية تحتية نووية إيرانية كبيرة من خلال عدم فرض قيود حقيقية على حجم البرنامج أو طابعه بعد عام 2030. وبدلا من أن ينهي الاتفاق سعي إيران إلى امتلاك أسلحة نووية، أرجأ متابعته. صحيح أن الإيرانيين التزموا بعدم امتلاك أسلحة نووية أو تطويرها، لكنهم ادعوا أيضا أنهم لم يحاولوا ذلك أبدا، على الرغم من الأدلة الواضحة عكس ذلك.

لذا، سيكون الخطر حقيقي في غضون 12 عاما عندما تنتهي بعض أحكام الاتفاق. لكن ذلك لا يعني أن على الرئيس ترامب الانسحاب منه في أيار/مايو المقبل. فإذا انسحب، فسيكون لوحده في ذلك. ولن ينضم إليه الأوروبيون، وخاصة بعد استعدادهم للتفاوض مع الإدارة الأميركية وقبول عدد من التنازلات، مثل فرض عقوبات على اختبار إيران للصواريخ الباليستية، وإصدار بيان مشترك حول الحد مما يمكن لإيران أن تفعله بعد عام 2030، والاستعداد لزيادة التكاليف التي سيتحملها الإيرانيون جراء أعمالهم المزعزعة للاستقرار في المنطقة. وحتى إذا لم يكن البريطانيون والفرنسيون والألمان على استعداد للذهاب إلى الحد الذي قد ترغب فيه الإدارة الأميركية، فقد اعترفوا بمخاوف إدارة ترامب بشأن الاتفاق النووي وكانوا مستعدين للتعامل معها على الأقل جزئيا.

لكن الابتعاد عن الاتفاق سينهي ذلك. فسوف يؤدي إلى عزل الولايات المتحدة، وليس الإيرانيين. ولطالما كان الضغط على الإيرانيين أكثر فعالية عندما انضم آخرون إلى الولايات المتحدة. وفي الواقع، شعرت إيران بالضغط حقا، فقط عندما قرر الاتحاد الأوروبي فرض مقاطعة على النفط الإيراني، وبدأت الجمهورية الإسلامية بالتفاوض بعد أن أعلنت أنها لن تفعل ذلك أبدا طالما كانت خاضعة للعقوبات.

إن احتواء انتشار الإيرانيين ووكلائهم واحتواء تطور قدراتهم العسكرية في سورية يجب أن يكون النقطة المركزية لإدارة الرئيس الأميركي

وللأسف، لن يلتزم الأوروبيون بالاتفاق ببساطة؛ وسوف يبذلون قصارى جهدهم لإبقاء الإيرانيين ملتزمين به ـ بينما يعرف الإيرانيون كيف يستغلون المخاوف الأوروبية. فقد أعلنت طهران بالفعل أنها تستطيع التحرك بسرعة لتركيب أجهزة طرد مركزي جديدة وأكثر فعالية ولن تحد من إنتاجها. ومن المؤكد أن ذلك سيثير مخاوف في صفوف الأوروبيين بشأن ازدياد خطر نشوب حرب ويقودهم إلى تقديم حوافز للإيرانيين للبقاء في الاتفاق النووي.

وبالنسبة لأولئك الذين يقولون إن الإدارة الأميركية تستطيع الضغط على أوروبا من خلال التهديد بفرض عقوبات على الشركات الأوروبية التي تتعامل مع الإيرانيين، أقول لهم لا تراهنوا على ذلك. ولطالما قاوم الأوروبيون مثل هذه العقوبات الثانوية، ونظرا إلى عدم شعبية ترامب مع الجماهير الأوروبية، فهناك قلة من القادة الذين سيريدون أن يظهروا بأنهم يذعنون للتهديدات الأميركية.

وبطبيعة الحال، سوف تحترس بعض المصارف والشركات الأوروبية من العقوبات الأميركية المحتملة، مع تأثير سلبي على استعدادها للاستثمار في إيران. ولكن هذه المخاوف قائمة حتى دون انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. ولا تزال العقوبات الأميركية قائمة على إيران بسبب دعمها للإرهاب وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهي حقيقة تساعد على تفسير سبب استمرار إيران في الشكوى من عدم جنيها الفوائد الاقتصادية التي توقعتها من الاتفاق النووي.

لكن قلقي هو من أن يذهب الانسحاب الأميركي إلى أبعد من ذلك. فمن شأنه أن يخلق وهم التشدد مع إيران دون التأثير عليها. فالخطر الذي تشكله الجمهورية الإسلامية هو توسعها في المنطقة، فهي تستخدم وكلائها من الميليشيات الشيعية لإحكام قبضتها على الحكومات. كما أنها تنخرط عسكريا في سورية، حتى أنها تحاول تغيير التوازن الديموغرافي عن طريق جلب الميليشيات الشيعية (والمدنيين الشيعة) لإسكانهم في المناطق السنية. وهو أمر يراد به منع اللاجئين من العودة إلى ديارهم، ولكنه يرجح أيضا أن يضمن استمرار التمرد في سورية.

والأسوأ من ذلك أن إيران تبدو أقل عزوفا بشكل متزايد عن المخاطرة في سورية. فقد تصرفت على غير طبيعتها عندما اختارت تحدي إسرائيل بشكل مباشر، وليس من خلال أحد وكلائها، عبر إرسال طائرة بدون طيار لاختراق المجال الجوي الإسرائيلي.

قد يؤمن ترامب بأن الابتعاد عن الاتفاق النووي يجعله يبدو صارما مع طهران، ولكن الأمر ليس كذلك

لقد أوضحت إسرائيل أنها لا تستطيع العيش مع تواجد عسكري إيراني موسع في سورية، فالإسرائيليون يؤمنون أن ذلك يشمل خططا لتصنيع أنظمة توجيه متقدمة في سورية ولبنان لأكثر من 120 ألف صاروخ يمتلكها "حزب الله". إن حجم إسرائيل والعدد الصغير نسبيا من أهداف بنيتها التحتية العسكرية والمدنية الحساسة، لا يعني أنها تتمتع برفاهية الانتظار إذا قامت إيران بهذا التحرك. ومن السهل أن ندرك كيف تبدأ الحرب بين الإسرائيليين وإيران/"حزب الله" ولكن استنتاج كيفية انتهائها ليس أمرا سهلا.

إن احتواء انتشار الإيرانيين ووكلائهم واحتواء تطور قدراتهم العسكرية في سورية يجب أن يكون النقطة المركزية لإدارة الرئيس الأميركي. لكن الأمر ليس كذلك، فقد أوضح ترامب أنه يريد "السماح للآخرين بالاهتمام بالأمر الآن".

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن مراوغة التهديد الإيراني الحقيقي يجب أن تحتل أولوية قصوى هناك، وهذا يتطلب تعبئة الدعم لهذا الغرض، وليس القول بأن الأمر متروك للآخرين.

قد يؤمن ترامب بأن الابتعاد عن الاتفاق النووي يجعله يبدو صارما مع طهران، ولكن الأمر ليس كذلك. فالابتعاد يتجاهل التهديد الحقيقي ويمنح الإيرانيين النصر. فهم سيعرفون أن الولايات المتحدة لوحدها ولن يكون هناك أي ضغط حقيقي لوقف ما يقومون به في المنطقة.

إن المفارقة الكبرى هي أن إحدى الطرق للتعامل مع نقاط الضعف التي أوجدها الاتفاق وتعزيز الردع الأميركي هي الإظهار للإيرانيين بأن الولايات المتحدة ستقوم بالرد كلما تجاوز سلوكهم الحد، بدءا من منطقة الشرق الأوسط. لقد استغل الاتفاق النووي الإيراني الوقت فيما يتعلق بالمسألة النووية، والآن ليس بالتأكيد لحظة التخلص منه.

دينيس روس هو زميل بارز في معهد واشنطن، وعمل في مناصب بارزة تتعلق بالأمن القومي في إدارات الرؤساء الأمريكيين رونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وباراك أوباما.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG