Accessibility links

في لبنان.. لا تغيير رغم التغيير


خلال الجولة الثانية من انتخاب اللبنانيين خارج لبنان

بقلم رنا الفيل/

بالرغم من تغيير قانون الانتخاب في لبنان من النظام الأكثري إلى النسبي، من غير المتوقع أن تأتي الانتخابات النيابية بأي جديد فيما يتعلق بالمشاكل الأساسية التي تقضي يوما بعد آخر على مقومات الدولة اللبنانية وأبرزها: السلاح غير الشرعي والفساد الحكومي.

سيأتي التجييش الطائفي، الذي رافق الحملات الانتخابية والأموال المتدفقة من إيران والمملكة العربية السعودية، بالقوى السياسية نفسها إلى البرلمان، وإن كان متوقعا بحسب استطلاعات الرأي تراجع حصة تيار المستقبل الذي يقوده رئيس الحكومة سعد الحريري مع بقائه الزعيم السني الأقوى وبالتالي إعادة توليه منصب رئاسة الحكومة.

من المتوقع بعد الانتخابات النيابية أن تتراجع وتيرة انتقاد الفساد من قبل السياسيين التابعين لحزب الله. من جهة أخرى، سينكفئ مجددا المعارضون لحزب الله عن انتقاد سلاحه، وإن تشاركوا معه في الحكومة. وستعود المعادلة إلى ما كانت عليه قبل الانتخابات: نقبل بسلاحكم، تسكتون عن فسادنا.

تستطيع القوى التقليدية الوصول إلى الناخبين ليس فقط من خلال الإعلام بل عبر المساعدات المادية

يشار إلى أن لبنان يقبع في المرتبة 143 (من أصل 180 دولة شملها التقييم) من مؤشر الفساد بحسب الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية "لا فساد" وهي الفرع الوطني لمنظمة الشفافية الدولية. فالمحاسبة غائبة ومجلس النواب لا يمارس دوره بمراقبة الأداء الحكومي في هذا الخصوص.

اقرأ للكاتبة أيضا: كفانا غربة في بلدنا

ينتخب اللبنانيون مجلس نواب جديد فيما يعانون من انعدام المتطلبات الأساسية للمعيشة ونقص حاد في الخدمات العامة. فالكهرباء غير متوفرة بشكل دائم، وسرعة الإنترنت في الخطوط الثابتة هي من الأسوأ عالميا وفق المؤشر العالمي، ولا وجود لضمان الشيخوخة والبطاقة الصحية التي يستفيد منها جميع المواطنين. هذا بالإضافة إلى أزمة النفايات وتلوث البحر إلى درجة بات الأمر يشكل خطرا على جميع دول بحر المتوسط بحسب ما أكده لي خبراء في الأمم المتحدة.

صحيح أن قانون الانتخاب النسبي شجع المجتمع المدني، لا سيما مجموعات مثل "كلنا وطني" و"كلنا بيروت" على خوض الانتخابات، غير أن اللوائح تشكلت متأخرة بحيث لا وقت كاف لمرشحيها، والعديد منهم غير معروف شعبيا، للقيام بحملات تضمن فوزها. وما يجعل مهمة مرشحي المجتمع المدني صعبة هو أن معظم وسائل الإعلام، لا سيما المرئية منها، حددت أسعارا خيالية للقبول باستضافة المرشحين على شاشاتها. طبعا، قوى السلطة قادرة أكثر من غيرها على دفع الأموال للظهور التلفزيوني، بالإضافة إلى امتلاكها وسائل إعلامها الخاصة التي تستفيد منها في الترويج.

حددت وسائل الإعلام أسعارا خيالية للقبول باستضافة المرشحين على شاشاتها

تستطيع القوى التقليدية الوصول إلى الناخبين ليس فقط من خلال الإعلام بل عبر المساعدات المادية بفضل أموال إيران من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى. تتلخص المأساة هنا في عدم وجود قانون في لبنان يمنع الدول الخارجية من تمويل السياسيين والأحزاب. ولا يوجد قانون يفرض الإفصاح عن الأموال الخارجية التي تتلقاها القوى السياسية، ما يجعل معظم السياسيين أدوات في أيدي قوى إقليمية.

عقود من تفقير الشعب اللبناني وحرمانه من أبسط مقومات الحياة الكريمة نتيجة فشل إداري ومغامرات عسكرية جعلت العدد الأكبر من المواطنين بحاجة إلى السياسيين ذاتهم الذين أوصلوا الشعب إلى هذه الحالة.

الأمل الوحيد بالنهوض بلبنان هو أن يفوز عدد لا بأس به من مرشحي المجتمع المدني، خاصة أنهم ركزوا في حملاتهم على برامج فعلية تتضمن مكافحة الفساد وإقامة دولة مدنية تحقق المساواة بين الرجل والمرأة، لا على التخويف من السني أو الشيعي أو المسيحي. هل سيتمكن اللبنانيون من الارتقاء فوق الانتماء الطائفي وتخطي الخوف من الآخر للوصول إلى دولة حقيقية تحقق مصالحهم لا مصالح الزعماء الطائفيين؟ الأمر صعب للغاية لكنه ليس مستحيلا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG