Accessibility links

الوضوح الفكري في زمن الغموض


في الثلث الأخير من القرن الماضي هيمنت على الثقافة العربية موجة من الانبهار باليسار إلى درجة قمعية

بقلم رياض عصمت/

في الثلث الأخير من القرن العشرين، هيمنت على الأجواء الثقافية في عواصم الثقافة العربية البارزة موجة من الانبهار باليسار إلى درجة قمعية لكل من سولت له نفسه التأثر باتجاهات طليعية أو تجريبية غربية أخرى. لم يكن الأمر استباقا دفاعيا لهجوم مبيت له من قبل المتأثرين بالثقافة الغربية، بل كان موقفا هجوميا حتى تجاه الوسطيين أو الموضوعيين أو المحايدين، وبالأخص تجاه الليبراليين، لأن المطلوب هو الانصياع لتوجه واحد ووحيد في الآداب والفنون هو "الواقعية الاشتراكية"، وعدم الانحراف والتحريف لممارسة أي شكل آخر سواها.

أذكر أنني كلفت بكتابة دراسة طويلة عن القصة القصيرة في سورية في آخر عقد الستينيات لمجلة شهرية مرموقة. يومئذ، لم أكن قد قرأت كما يذكر من إبداعات كتاب القصة الكبار، فعكفت على ذلك بكل دأب، وكتبت بحثي النقدي بناء على معايير موضوعية، خاصة أنني بالكاد كنت أعرف في ذلك الزمان أحدا ممن كتبت عن قصصهم، وإلى أي اتجاه فكري ينتمي، وما هو وضعه الاجتماعي/الاقتصادي من حيث الطبقة والثراء. ولم يكن يخطر لي طبعا ما هو دينه وطائفته، بل كنت أجهل في أية مدينة يقيم عديد ممن كتبت عنهم.

كنت مقتنعا تمام الاقتناع بنظرية ت. س. إليوت عن "عصارة الليمون" في العمل النقدي، أي الاستغناء عن المرجعيات السيكولوجية والسيسيولوجيا كافة، وتقييم العمل الأدبي من داخله لاستخلاص نكهة ما يحتويه. فوجئت بعد نشر البحث ونيله الاستحسان من غالبية من كتبت عنهم أن هناك ثلاث فئات لم ترقها مقاربتي النقدية، بل استفزتها وأثارت حنقها إلى حد كبير.

المطلوب من الناقد المتسم بميزة الوضوح الفكري أن يمتدح فقط القصص والروايات والمسرحيات والأشعار التي يدبجها اليساريون التقدميون

كانت الفئة الأولى هي الكتاب الذين شعروا أنني أغمطت حقهم بتجاهل الكتابة عن أعمالهم، في حين أنني فعلت ما فعلت بدافع تبويبي للمدارس السائدة في القصة السورية، وتحليل أعمال أبرز كتابها اعتمادا على تميز مواهبهم، وليس بناء على أي اعتبار شخصي آخر. بكل صدق، شعرت بشيء من الأسى لأنني خيبت أمل تلك القلة النادرة من الكتاب الرواد، الذين لم يتسع المجال آنذاك للكتابة عنهم بسبب أن سواهم من زملائهم تفوقوا عليهم وأبدعوا بشكل أفضل منهم في المدرسة الأدبية ذاتها، ومنيت نفسي أن أعوض عن ذلك مستقبلا بدراسات أخرى أكثر طولا وشمولا.

اقرأ للكاتب أيضا: الجاسوسية الروسية في عين العاصفة

أما الفئة الثانية، فكانت فئة الموالين للأحزاب اليسارية القائمة في تلك الحقبة، والمهيمنة على المشهد الثقافي في دمشق. أذكر أن أحد مشاهير المبدعين المنتمين لأحد تلك الأحزاب قال لي في أول لقاء جمعنا على الإطلاق، رغم أنه لم يكن يكتب في مجال القصة والرواية: "بحثك النقدي جيد، إنما يعوزه الوضوح الفكري". ابتسمت لأنني كنت أعرف جيدا مغزى تلك العبارة ومن يرددها. حاول أن يشرح لي مستفيضا، لكنني أوضحت له أنه لا داعي للتوضيح إذ أنني فهمت قصده تماما.

كان الوضوح الفكري المقصود في ذلك الزمان يعني أمرا واحدا لا التباس فيه، وهو الانطلاق من مبادئ الماركسية/اللينينية في تناول أي عمل أدبي، وإلا اعتبر الناقد مارقا، تحريفيا وعميلا للأفكار الغربية الهدامة. بالتالي، فإن المطلوب من الناقد المتسم بميزة الوضوح الفكري أن يمتدح فقط القصص والروايات والمسرحيات والأشعار التي يدبجها اليساريون التقدميون وحدهم، ويذم كل من خالف تلك القواعد والأعراف، بغض النظر عن الإبداع والتميز أو عن ضمور الموهبة، لأن كل من يخرج عن إطار "الواقعية الاشتراكية" متأثر بالإمبريالية الغربية، ومنتم لمدرسة "الفن للفن"، وبورجوازي رجعي مدان سلفا.

نأتي إلى الفئة الثالثة، التي شكل رأيها مفاجأة أكبر بكثير من السابقتين. واجهني صديق حميم كان يجمع ما بين الميول اليسارية والانتماء إلى طائفة من الأقليات بنقد صاعق لم يخطر لي على بال. قال: "كنت أناقش مع بعض أصحابي دراستك النقدية عن القصة السورية". سألته بلهفة وفضول: "وماذا كان رأيهم؟" أجاب بتجهم: "مقاربتك النقدية تتسم بالطابع الطائفي." فغرت فمي دهشة، وأنا أتساءل: "طائفي! ماذا تقصد بهذا؟" قال: "أنت أشدت بكتاب قصة من دمشق وحلب، وهمشت كتابا من ريف منطقتنا".

هيمنت على الأجواء الثقافية في عواصم الثقافة العربية البارزة موجة من الانبهار باليسار إلى درجة قمعية

لم أجد ما أرد به سوى ابتسامة ملؤها المرارة والامتعاض وخيبة الأمل لهذا المنطق الأعوج. قلت بهدوء: "المشكلة، يا صديقي، إنني اكتشفت عبر قراءتي الموضوعية أن الإعلام منح هؤلاء الكتاب من الأهمية ما يتجاوز موهبتهم. أما أنا، فأتيت بذهن مفتوح دونما أية منطلقات نظرية مسبقة لأقرأ أعمالهم وأقيمها من فراغ، ووجدت أن كثيرا منهم نال من التقدير أكثر مما يستحق. لذلك، أعدتهم إلى موقعهم الطبيعي، دون أن أقصد أي تحيز أو ظلم". لم يقتنع صاحبي بكلامي تماما، بل رمقني بنظرة شك وظل ناقما عليّ ضمنيا لاعتقاده بأن موقفي من أولئك الكتاب متحامل طائفيا، رغم عدم إيلائي لتلك المسألة أي اهتمام.

اقرأ للكاتب أيضا: حوار حضارات أم صدام حضارات؟

أذكر حادثة أخرى لا تخلو من طرافة، مفادها أن قريبا لي كان صديقا للحزب الشيوعي جاءني ذات يوم راجيا أن أقوم بتأليف قصة لصالحه كلف بأن يكتبها وينشرها في مجلة الحزب. صددته وتمنعت قائلا: "أنا لا أنتمي إلى ذلك الحزب أو لأي حزب على الإطلاق، فكيف أفصل قصة على مقياس مسبق لجهة لا أتبنى أفكارها؟" ألح متسائلا بلهجة تحد: "ألست تدعي بأنك كاتب قصة محترف؟ أنا لا أطلب منك مقالا فكريا يعبر عن أفكارك السياسية، بل قصة من الواقع ذات طابع تقدمي تناسب فكر تلك المجلة. ثم، من قال إنها ستنشر باسمك أو حتى باسمي؟ إنها ستنشر باسم مستعار".

فكرت بكلام قريبي العزيز، وشعرت برغبة خفية في خوض ذلك التحدي. بالفعل، صغت من أجل خاطره خلال ساعة من الزمن قصة واقعية كتبتها بخط اليد، وسلمته الأوراق دون أن أكترث بإبقاء نسخة منها لدي. كانت القصة ـ حسبما أذكر ـ عن حياة بائسة لصبي متسول فقير يعيش على خط الفاقة والبؤس، مع نهاية مأساوية إنسانيا، رغم أنها لا تقارن بما يعيشه الأطفال في زماننا الراهن من مأساة مرعبة تحت وطأة الجوع والعطش وفقدان الدواء.

بعد أسابيع قليلة، جاءني قريبي مبتهجا وقال: "نشرت القصة في مجلة الحزب، وغمرني رئيس تحريرها ومحرروها بالثناء الحار." قلت له: "ثناء حار؟ لكن قصصي أنا نفسي لا تلاقي الثناء الحار، بل النقد الجارح أحيانا، خاصة من جماعتك! لقد فبركت تلك القصة من أجل خاطرك خلال ساعة فقط، أي أنني كتبتها بأقل من ربع المدة التي أكتب فيها أقصر قصة من قصصي، فما الذي ميزها وأعجبهم فيها؟" حك قريبي شعر رأسه في حيرة، وأجابني: "أجمعوا جميعا أنها تتمتع بالوضوح الفكري!".

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG