Accessibility links

احتلال عسكري يوازيه احتلال فكري


عناصر من الشرطة الإيرانية -أرشيف

بقلم عبد الحفيظ شرف/

"إذا هاجمنا الأعداء وكانوا يريدون أخذ إما سورية أو محافظة خوزستان (الأحواز، وهي أغنى المحافظات بالنفط)، فإن الأولوية هنا المحافظة على سورية، فإذا حافظنا على سورية معنا، فإن بإمكاننا استعادة خوزستان أيضا، ولكن إن فقدنا سورية لا يمكننا أن نحافظ على طهران" قد يبدو هذا التصريح الصادر عن رجل الدين الإيراني مهدي طيب في العام 2013 صادما إذا ما أمعنا النظر في حيثياته؛ لكنه بلا شك يعكس الأيديولوجية الإيرانية ومخططها في المنطقة وتعد دمشق قلب الاستراتيجية الإيرانية لتأمين الزعامة السياسية لطهران في المنطقة.

هذا القلب النابض يجب الحفاظ عليه بسياسات عدة تجلى بعضها عسكريا في تدخل ميليشياوي مباشر منذ انطلاقة الثورة السورية وسبقه وتخلله استخدام للقوة الناعمة عبر مؤسسات ثقافية نشطت في تقديم الفكر الإيراني من باب ديني وأيديولوجي عبر التشيع الممنهج الذي اتبعته مؤسسات الثورة الخمينية في سورية.

أعلنت طهران عن إنشاء فروع جديدة لجامعة "آزاد" الإسلامية في المدن السورية والعراقية الرئيسية

إن هذه السياسات الملتوية للتدخل في شؤون المنطقة لم تصاغ بشكل عشوائي، إنما بنيت على معادلة واضحة مفادها: استخدام المفهوم العقائدي لتحقيق غاية سياسية سواء على أرض سورية أو العراق قبلها واعتمدت كذلك إلى جانب البعد العقائدي استغلال شعارات معادية لإسرائيل وأميركا لتضمن بذلك آليات اللعب على الوتر العاطفي لتعبيد الطريق أمام التدخل الإيراني في كل مفاصل وشؤون المنطقة وذلك من خلال إنشاء وتدعيم مناطق نفوذ تسهل عمليات التأثير والتخريب مع فتح طهران كل وسائل الدعم للمؤسسات الحليفة في مختلف المناطق لضمان نجاح السيطرة بأشكالها المختلفة سواء أكانت عسكرية أم عقائدية.

اقرأ للكاتب أيضا: شيزوفرنيا الأمة

وبترجمة فعلية لتلك السياسة نرى أن طهران سعت عبر خلايا تنظيمية مختلفة إلى تصدير ثورتها الإسلامية، وهو ما يعنى أن إيران تسعى إلى بسط سيطرتها على العراق وسورية ولبنان وهذا ما يحصل اليوم بشكل فعلي والمنطلق الأساسي الأرض السورية، خصوصا مع المعارك التي خاضتها القوات الإيرانية والفصائل الموالية لها وعلى رأسها حزب الله والحشد الشعبي على الحدود السورية العراقية من جانب والسورية اللبنانية من جانب آخر لتأمين فتح ممر آمن يربط طهران ببيروت، مرورا بالعراق وسورية.

لا تخجل إيران اليوم من إعلان انتصاراتها العسكرية بعد أن نجحت في استغلال ضياع الرؤية الدولية وتشتتها في فترة الإدارة الأميركية السابقة والحجم الكبير لتعقيدات العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط لأجل تغيير الخرائط، وإعادة رسم الحدود، ليس جغرافيا فحسب إنما أيضا ديموغرافيا حيث لا تقتصر أهداف إيران على امتلاك نفوذ واسع في المنطقة وإنما أيضا لتصبح قوة إقليمية فاعلة فهي تتخطى ذلك لصالح تحقيق أهداف دينية واقتصادية وتجارية.

وهنا يبدو أن مخطط الهلال الشيعي الذي عصفت به القوى القومية منتصف القرن الماضي لم يندثر كما أعلن في حينها إنما عاد ليتجدد في هيئة محور للمقاومة ابتدعته طهران لتقود تحالفا من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في الشرق الأوسط والتي تسعى لتثبيت أقدامها في المنطقة.

وعلى الرغم من أن التدخل العسكري الإيراني في الدول الإقليمية ودعم الميليشيات الشيعية المسلحة غالبا ما يكون مصدر قلق الحكومات والدول المجاورة ولا يغيب عن عناوين الصحف دوليا، إلا أن هناك ما تخفيه طهران ويتجاهله الإعلام الدولي لخلوه من أي وصف عسكري ويتركز في تحركات إيرانية توصف على أنها ناعمة وتلخص استراتيجيات طهران لتعزيز أهداف ذات أبعاد مختلفة للنظام الإيراني عقائديا وأيدولوجيا.

ولعل أحد أبرز تلك الاستراتيجيات، هو ما أعلن في طهران وتم الموافقة عليه في دمشق وعواصم التحالف الثانية بإنشاء فروع جديدة لجامعة "آزاد" الإسلامية الإيرانية، في المدن السورية والعراقية الرئيسية وتوسيع فرعها الرئيسي في لبنان. الأمر الذي يختصر في فرضه وتطبيقه كيفية وشكل استخدام طهران لأدواتها التسلطية المجتمعية لتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة ليصبح عمل هذه الجامعة رديفا، إن لم يكن مكملا ومتوجا، لما تقدمه مؤسسات ومنظمات إيرانية ترتدي عباءات تفاعل اجتماعي مختلف لدى شعوب المنطقة مثل تلك المنظمات التعليمية والثقافية والخيرية الإيرانية التي أنشأت في دول خريطة الطموح الإيراني للنفوذ.

ولا يغيب عن أحد أن تلك الوسائل التي تنشط إيران في تدعيمها وتسهيل انتشارها ووصولها في المجتمعات المحيطة تمهد في جانب لتدخل إيراني مباشر وتخلق في جوانب عدة مبررات هذا التدخل ومسوغاته، لأن هذه الأدوات الخفية في أهدافها لا تخرج عن كونها أدوات تكمل بها طهران ما يمكن وصفه باستراتيجيات القوة الصعبة أو العسكرية المباشرة لطهران. ويزيد من عبث تلك المنظمات والمؤسسات الاجتماعية والمدنية أنها تستخدم كغطاء مدني لقوات عسكرية من عناصر الحرس الثوري وهذا ما يخشاه كثير من المراقبين والمحللين.

سعت طهران عبر خلايا تنظيمية مختلفة إلى تصدير ثورتها الإسلامية

وكان علي أكبر ولايتي، كبير مستشاري السياسة الخارجية للمرشد الأعلى علي خامنئي، قد أعلن نيابة عن رأس النظام بشار الأسد موافقته على اقتراح إيراني بافتتاح فروع لجامعة آزاد الإيرانية في كافة مدن سورية إذا أن بشار الأسد ولا حكومته لم تعلن هذا؛ لكن الجميع يعلم أن الأسد أصبح مجرد دمية تحركها القوى الخارجية سواء روسيا أو إيران كما تشاء وبحسب مصالحها. ولا يجب نسيان أن ولايتي كان قد شغل منصب وزير الخارجية الإيراني سابقا واليوم هو رئيس المجلس التأسيسي ومجلس الأمناء في هذه الجامعة وهو ما يؤكد حجم التداخل المهول بين نخب إيران السياسية الحاكمة والأنظمة التعليمية والثقافية التي تنشط خارجيا كما يؤكد فرضيات العبث الأيديولوجي الذي تخطط الجامعة بفروعها الخارجية لممارسته مستقبلا.

اقرأ للكاتب أيضا: الائتلاف الوطني السوري على فراش الموت

ولا شك أن دعم إيران لميلشيات الحوثي في اليمن هو امتداد لذات السياسة الإيرانية فأغلب قادة الحوثيين تتلمذوا في طهران ويخضعون لدورات ثقافية مكثفة واستخدمت طهران من خلالهم ذات الشعارات الطهرانية وهذا لعدة أهداف قد يكون أهمها الوصول إلى مضيق باب المندب بالإضافة إشغال المملكة العربية السعودية بحرب على حدودها الجنوبية وتمتد إلى داخل أراضيها.

كل هذه السياسات تستخدمها إيران بالتناوب أو بالتوازي بحسب الوضع والمصلحة السياسية، وقد زتدت هذه السياسات بشكل مضاعف تقريبا منذ توقيع الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه الرئيس ترامب أخيرا فأصبحت إيران بعد توقيع الاتفاق أكثر سخاء لأنها حصلت على المال المجمد لسنوات طويلة واستخدمته بشكل مريب لترسخ سياساتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG