Accessibility links

خبير: دول عربية تعتبر وسائل الإعلام فرقا عسكرية


الخبير الدولي في القانون والحريات يحيى شقير

أجرى الحوار محمد أبو عرقوب

في أوج الصراعات السياسية والمسلحة التي مزقت عددا من الدول العربية، بدأ البحث في الأسباب التي أدت إلى الانزلاق نحو العنف بأشكاله المختلفة.

ويعتقد الخبير الدولي في القانون والحريات العامة يحيى شقير من الأردن في حوار خاص مع "موقع الحرة" أن "قمع الحكومات الاستبدادية" لشعوبها في المنطقة العربية لعشرات السنوات، خلق بيئة اجتماعية قابلة للانجرار نحو التطرف، خاصة الديني والطائفي.

وهذه أبرز الآراء التي طرحها شقير:

  • دول عربية تنظر إلى وسائل الإعلام كأحد الفرق العسكرية في الصراعات
  • القمع والاستبداد والظلم محرك للتعبير عن الرأي بطريقة عنيفة
  • المواطن العربي يعتبر وسائل الإعلام الجديد "تكنولوجيا للحرية"
  • حرية التعبير هي الأساس وأي بناء لا يحترم أسسها مصيره الانهيار
  • المحكمة العليا الأميركية منارة لكثير من المحاكم في العالم

يناقش "موقع الحرة" في هذا الحوار الخاص مع الخبير شقير أهمية تعزيز حرية الرأي والتعبير والانفتاح المعلوماتي في المجتمعات العربية، وأثر ذلك في محاربة التطرف والاتجاه نحو البناء والإصلاح.

وهذا نص الحوار:

موقع الحرة: أصبحت المنطقة العربية مصدرا أساسيا للأخبار، وتعج بالتعقيدات السياسية والميدانية، من أين نبدأ؟

شقير: صحيح، المنطقة العربية تعيش الحروب منذ آلاف السنين. في كل فترة تاريخية تكون محل اهتمام آخرين نظرا لموقعها الجيوسياسي وثرواتها.

لكن ليس كل ما تعانيه أسبابه خارجية، هناك أسباب داخلية حاضنة للتوتر. فعلى الرغم مما جادت به الطبيعة على هذه المنطقة إلا أن الغالبية العظمى من شعوبها تعيش بأوضاع فوق الكفاف قليلا.

فنلندا مثلا عدد سكانها ثلث عدد سكان السعودية، ومساحتها الخمس، ومع ذلك فدخلها القومي الإجمالي أكبر من الدخل القومي الإجمالي للسعودية. مصر لدى قيام ثورة 23 يوليو/تموز 1952 كان دخلها القومي أربعة أضعاف دخل كوريا الجنوبية، والآن دخل الأخيرة 100 ضعف مصر.

اعتقد أن التقدم هو بناء بطريقة تراكمية وعدم إضاعة الوقت بإعادة اختراع العجلة.

باختصار ما نراه من تطور في العالم المتقدم سببه حرية التعبير. فقد احترمت الدول المتقدمة باكراً مقولة "السوق الحرة وحرية الرأي والتعبير"، فحرية التعبير هي إحدى عجلتي الدراجة، والثانية السوق الحرة ثم يتم عمل سوق حرة للأفكار.

ففي أغلب الدول العربية (خاصة دول الخليج العربية) السوق الحرة ممتازة، لكن عجلة حرية التعبير مثقوبة، لهذا نجد صعوبة في تحريك الدراجة إلى الأمام.

موقع الحرة: هل من أمثلة على انتهاكات حرية التعبير في العالم العربي؟

شقير: الأمثلة على احترام حرية التعبير قليلة، أما أمثلة الانتهاكات فشائعة.

مثلا حسب مؤشر منظمة "مراسلون بلا حدود" الفرنسية و"بيت الحرية" الأميركية فإن جميع الدولة العربية تقع بمرتبة غير حرة. ومن آخر الأمثلة على القوانين التقييدية غير الضرورية التي أقرت في المنطقة العربية هو قانون الجرائم الإلكترونية الذي أصدرته السلطة الفلسطينية في ظل غياب أو تغييب المجلس التشريعي منذ عام 2006.

هذا القانون أعطي أولوية للتضييق على الحريات، وذلك على حساب مسودة قانون حق الحصول على المعلومات الفلسطيني الموجودة منذ 10 سنوات والتي لم تقر بعد لأنها تدعم الحريات.

قانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني هو المثال الأخير لكيفية تعامل الدول العربية مع الإعلام الجديد بردود الأفعال الاستباقية، وليس بالأفعال الايجابية والاستفادة من ثمرات تكنولوجيا المعلومات لتطوير المجتمع.

في موريتانيا، اشتكى صحافيون من تضييق السلطات عليهم اثناء تغطية مظاهرات معارضة للاستفتاء على التعديلات الدستورية، رغم أن منظمة "بيت الحرية" الأميركي وضع موريتانيا في مرتبة "حرة جزئيا".

موقع الحرة: ما هي "المسطرة" التي يمكن استخدامها في تحقيق التوازن بين حرية التعبير والتقييدات المشروعة عليها؟

شقير: يعتبر التعليق العام رقم 34 للجنة حقوق الإنسان المعنية بالرقابة على تطبيق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أهم معيار عملي.

وصدر هذا التعليق في الجلسة 102 للجنة حقوق الإنسان التي عقدت في تموز/يوليو 2011 ليحل محل التعليق العام السابق رقم (10)، حيث شاركت شخصيا في لقاء نظمته المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تايلاند، وقدمت فيها مداخلة عن كيفية تحقيق التوازن بين المادتين 19 عن حرية التعبير، و20 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عن حظر أية دعوة للكراهية القومية والعنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.

وصاغ مسودة التعليق البروفيسور مايكل أفلاهيرتي في المفوضية السامية لحقوق الإنسان الذي كان رئيسا لمركز قانون حقوق الإنسان في جامعة نوتنغهام البريطانية (حفيد الكاتب الساخر الإيرلندي والشاعر أوسكار وايلد).

وجاء في التعليق أن "حرية الرأي وحرية التعبير شرطان لا غنى عنهما لتحقيق النمو الكامل للفرد، وهما عنصران أساسيان من عناصر أي مجتمع. ويشكلان حجر الزاوية لكل مجتمعٍ تسوده الحرية والديمقراطية. وترتبط حرية الرأي ارتباطًا وثيقا باعتبار أن حرية التعبير تتيح الأداة لتبادل الآراء وتطويرها".

موقع الحرة: لكن تكنولوجيا المعلومات أوجدت منفذا لمن يروجون لخطاب الكراهية والعنف والارهاب؟

شقير: صحيح. سؤال مهم. حرية التعبير ليست مطلقة في العالم ولا حتى في الدول الأكثر ديمقراطية. المعايير الدولية لحرية التعبير تجيز فرض تقييدات على حرية التعبير لحماية النظام العام، لا بل تجريم كلام الكراهية والتحريض على العنف والإرهاب.

فحرية التعبير وحرية الصحافة ووسائل الإعلام ليست منصات لهذه الأفعال السيئة ولا يجب أن تكون "مكبرات صوت" لدعاة التمييز المبني على الدين أو العرق أو الجنس وغير ذلك.

إن تنميط الآخرين هو مقدمة لانتهاك حقوقهم، وهناك أمثلة سيئة في مختلف دول العالم على هذا التنميط لكن الدول المتقدمة تبذل جهدها لجعل ذلك ضمن أدنى الحدود.

أنظر إلى الصورة النمطية التي يحتفظ بها المتطرفون من السنة والشيعة عن بعضهما البعض في المنطقة العربية، إنها سبب أساسي في العنف والتطرف الذي تشهده المنطقة.

لذا فإن الحل لا يمكن أن يكون فعالا إلا بإيجاد بنية أساسية للانفتاح في المعلومات والآراء التي تقرب الناس من بعضهم البعض بعيدا على الفروقات العرقية والطائفية والدينية والقومية.

موقع الحرة: ما هي الجهة التي ترشحها لأن تلعب الدور الأكبر في إشاعة حرية التعبير والتسامح في العالم العربي؟

شقير: هناك عدة جهات تلعب أدوارا في تعزيز حرية التعبير كحجر الأساس لجميع الحريات الأخرى، لكن الجهة التي أعول عليها هي المحاكم الدستورية.

وهناك أمثلة تاريخية تبرز الدور المهم الذي لعبته المحاكم العليا في إرساء قواعد متينة لحرية التعبير والحريات الدفاعية، على رأسها المحكمة العليا في الولايات المتحدة، فهي أول محكمة في العالم تصدت للبحث في دستورية قانون أصدره الكونغرس (السلطة التشريعية). وتقف المحكمة العليا الأميركية اليوم منارة للكثير من المحاكم في العالم.

قبل أيام أصدرت محكمة الصلح في مدينة نابلس بالضفة الغربية قرارا بتبرئة أستاذ جامعي من جرم نقد السلطة الفلسطينية، اقتبست فيه عبارات من قرارات للمحكمة العليا الأميركية والمحكمة الدستورية العليا الفلسطينية.

موقع الحرة: هل ترى أن تقييد حرية الرأي والتعبير التي انتهجتها حكومات عربية كانت سببا في انتشار العنف الذي نراه الآن؟

شقير: تاريخيا كان القمع والاستبداد والظلم محركا للتعبير عن الرأي بطريقة عنيفة، فعندما لا يجد المرء وسيلة للتعبير عن رأيه سيعبر عن رأيه مستخدما عضلاته.

والدول العربية ليست استثناء على ذلك على مر التاريخ. صحيح أن الدولة عندها أساليب للسيطرة على الشعوب بآليات اقتصادية ودينية وسياسية إلا أن الأمور فلتت كثيرا وهذا ما رأيناه في تونس وليبيا ومصر واليمن وسورية.

موقع الحرة: هل يمكن للمجتمعات المفتوحة والحكومات التي تشجع الاطلاع على المعلومات أن تبني جيلا يتقبل الآخر، ويؤمن بلغة الحوار المبنية على حرية التعبير للجميع؟

شقير: مرت 250 سنة على إقرار السويد وفنلندا (كانتا دولة واحدة آنذاك) أول قانون ينص على الحصول على المعلومات في العالم وذلك عام 1667، وقد شاركت في احتفال اليونسكو الذي أقيم في فنلندا بهذه المناسبة العام الماضي، وكنت متحدثا في المؤتمر.

قلت حينها إن حصول الأفراد على المعلومات الدقيقة من شأنه مساعدتهم على اتخاذ قرارات أكثر صوابية من هؤلاء الممنوعون من الحصول أو الوصول إلى المعلومات. وفي ظل نقص المعلومات لأي إنسان من السهل تنميط الآخر.

وعلى ذلك فكثير ممن كانت عندهم آراء متطرفة عن الآخر غيروا آراءهم عندما أُتيحت لهم الفرصة بالحوار مع الآخر.

موقع الحرة: ما هي رؤيتك للدساتير العربية نصا وتطبيقا خاصة أن موريتانيا الآن تتجه نحو تغيير دستورها؟

شقير: قدمت الولايات المتحدة (للحقيقة والتاريخ) أعظم وثيقة للعالم وهي دستورها المكتوب، وكنت محظوظا برؤية النسخة الأصلية للدستور الأميركي عندما كنت محاضرا زائرا لكلية الاتصال بجامعة بنسلفانيا بمدينة فيلادلفيا.

وبالمناسبة فإن فيلادلفيا كان أحد الأسماء القديمة للعاصمة الأردنية عمّان، ويوجد في حرم جامعة بنسلفانيا أحد الأعمدة الحجرية الأثرية جرى إهداؤه للجامعة.

وقد أثَّر الدستور الأميركي ولائحة الحقوق على كثير من دساتير العالم ومنها الدساتير العربية. لكن النص القانوني يبقى ميتا حتى يتم تطبيقه في المحاكم.

وكثير من نصوص الدساتير العربية تقدمية وتتوافق مع المبادئ العامة للأمم المتحضرة لكن التطبيق يتخلف عن روح الدساتير، وكثيرا ما جرى تجميد هذه الدساتير أو إساءة تفسيرها بحيث أصبحت أحد وسائل السيطرة والضبط وربما إعطاء مشروعية للاستبداد.

وكما يقال في الإنكليزية هناك فرق بين rule of law و rule by law ففي الأولى يتم تطبيق القانون على الجميع، وفي الثانية يتم الحُكم بالقانون. ولهذا نرى أن الكفة تميل دائما للسلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية.

في سنوات الربيع العربي جرى تعديل دساتير كل من الأردن والمغرب ومصر وتونس وكانت التعديلات متقدمة قياسا بالنصوص التي سبقتها.

موقع الحرة: هل تحمي هذه الدساتير حق المواطن العربي في الحرية؟

شقير: تنص الدساتير العربية على حماية الحريات الأساسية العامة، لكن التحدي هو تفسير هذه النصوص المختصرة. ولهذا أعوِّل كثيرا على دور المحاكم الدستورية في توسيع هذه الحقوق، وأن تكون قابلة للتفسير المستقبلي.

فالقوانين توضع للمستقبل وليس للماضي، لكن نرى أن الماضي يؤثر كثيرا على صياغة وتفسيرات الدساتير العربية.

موقع الحرة: ما المطلوب من الأفراد والحكومات في مجال الحريات للتصدي لخطاب الكراهية؟

شقير: أغلب الدول العربية أطراف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وتنص المادة 20 من العهد:

  1. تحظر بالقانون أية دعاية للحرب.
  2. تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.

وبناء على الالتزام السابق من واجب الدول تجريم خطاب الكراهية، فكراهية الآخر كانت (وهناك أمثلة من التاريخ) كانت مقدمة للعنف (غير المشروع) ضد الآخر.

ويمكن يوميا الاستماع إلى خطاب كراهية في مختلف الدول العربية تحت مبررات دينية (مسلم مسيحي، سني شيعي)، أو مبررات التفوق العرقي (عربي كردي أمازيغي)، والجنس (ذكر وأنثى ناقصة عقل ودين) أو قبلية.

وهناك أمثلة لحالات تطليق نساء من دون رغبتهن بحجة عدم تكافؤ النسب (قبيلة المرأة أكبر مستوى من قبيلة زوجها مثلا).

مواجهة خطاب الكراهية تكون أولا بالقانون ثم بالتوعية والتعليم في مختلف مراحله.

موقع الحرة: كيف تنظر إلى دور وسائل الإعلام العربية في تغطية الصراعات في الدول العربية؟

شقير: تنظر كثير من الدول العربية إلى وسائل الإعلام كأحد الفرق العسكرية في الصراعات. وفي آخر أزمة عربية (أزمة مقاطعة قطر) كانت الأطراف تتصارع على شاشات الفضائيات والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.

رأينا كيف جرى التهديد بعقوبات صارمة لمن يؤيد أو يمجد الطرف الآخر. للأسف فأغلب وسائل الإعلام هي مدافع للدول وقلة من الصحفيين تتاح لهم الفرصة ليكونوا موضوعيين ولا أقول محايدين.

خاص بـ"موقع الحرة"

XS
SM
MD
LG