Accessibility links

سنونوات الربيع الإيراني


شابة كردية إيرانية في احتفال لدعم استقلال إقليم كردستان عن العراق (أرشيف)

بقلم شيرزاد يزيدي/

تشكّل الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران، والتي انطلقت من مدينة مشهد، ضد نظام الملالي الكهنوتي والممتدة امتداد البلاد، دليلاً على وصول الوضع الداخلي إلى درجة الغليان. لم تعد سياسة "تصدير الثورة" قادرة على امتصاصه. وقد انتهج النظام الحاكم منذ ثمانيات القرن الماضي، سياسة "تصدير الثورة" القائمة على تصدير الفشل والانحطاط والأزمات الداخلية للخارج عبر تسعير الخلافات المذهبية من لبنان إلى العراق والخليج. وتهدف هذه السياسة للتغطية على التناقضات المحتدة في إيران دولةً ونظاماً واجتماعاً. وهذا الأمر يطرح سؤالاً مباشراً: هل نحن أمام بوادر ربيع إيراني، ولا نقول فارسي لأنه يشمل مختلف قوميات إيران وشعوبها؟ نأمل ذلك، على أن لا يكون نسخة من الربيع العربي الموؤد بل المولود ميتاً. ففي حين برزت البدائل الإسلاموية في الحالة العربية الاستبدادية، فإننا هنا حيال نظام مذهبي متطرف وراعٍ للإرهاب دولياً لطالما تاجر بالدين؛ وهو ما يستدعي تضافر القوى الديمقراطية الإيرانية ضده سيما وأن إيران بحكم عوامل التاريخ والسوسيولوجيا وعمق الموروث الحضاري والثقافي تبدو مؤهلة لتبلور وتطور حركة ديمقراطية تغييرية أكثر بما لا يقاس بما حدث في البلاد العربية.

من المبكر بطبيعة الحال الحديث عن تطور حراك ثوري عام وعارم ضد سلطة الملالي، لكن تواصل الاحتجاجات المقموعة بالحديد والنار يدلّ على وجود ظروف موضوعيّة لقيام حركة تغييريّة كبرى ضد النظام. فالتظاهرات استمرت لأكثر من أسبوع، ورافقها تصاعد نبرة التشنج لدى رموز النظام، وحديثهم التافه كالعادة عن المؤامرة الصهيونية والامبريالية على البلاد. وجاء استخدام النظام الإيراني آلة القمع في قتل المتظاهرين حيث الضحايا والجرحى بالعشرات وربما المئات وتوزعها على مختلف المناطق على تباين خصوصياتها الجهوية وتراكيبها القومية والمذهبية ليؤكّد وجود هذه الظروف الموضوعيّة. لكن، الظروف الذاتية لجهة تبلور إرادة منظمة ومؤطرة للحراك ووفق أجندة ديمقراطية ووطنية جامعة للتعدد والتنوع وساعية لفتح صفحة توافقية تنظم الموزاييك الايراني في دولة علمانية اتحادية، لم تنضج بشكل كافٍ بعد. وتجدر الإشارة إلى التنوع بين الإيرانيين، فهناك الفرس والآذريون والكرد والبلوش والعرب والنظام محترف في اللعب على التناقضات المجتمعية وتأليب المكونات على بعضها واللعب بالورقة المذهبية الشيعية تارة وورقة القومية الفارسية تارة أخرى.
في مطلق الأحوال، تحريك المياه الآسنة والراكدة في هذا البلد المحوري، الذي يكتنز قدرات وموارد بشرية وطبيعية هائلة كبتها وسخرها نظام ولاية الفقيه في التسلح النووي والتقليدي وتطوير أدوات القمع وتثبيت منظومته الاستبدادية ورعاية الارهاب ودعم أنظمة قاتلة كما حال نظام بشار الأسد البعثي، يؤثر بالإيجاب على مختلف معادلات التغيير في المنطقة. فأي تحول ديمقراطي أو أقله خلخلة لنظام العمائم سيكون دفعة لكافة شعوب المنطقة نحو المضي قدماً في طريق التحوّل الديمقراطي وفق قاعدة تعايش الشعوب وتكاملها وبناء تعاقدات وطنية فيدرالية وعبر إدارات ذاتيّة موسعة ناظمة للتنوع.
ولعل أكثر المستفيدين من تحول ديمقراطي إيراني مأمول وملحّ هو الشعب السوري، ويتقاسم معهم الدرجة اللبنانيون ليس من قبيل تلازم الدرجتين على وزن تلازم المسارين والمصيرين. ونذكر بصورة خاصة، السوريون الكرد كون العامل الكردي، كما لا يخفى على أحد، يشكّل محدداً أساسياً بل ويكاد يكون أوحداً لاستراتيجيات السيطرة والاستبداد المهيمنة في إيران وفي مختلف الدول المقتسمة لكردستان. ولا نجازف عند القول إن القضية الكردية هي محكّ التحول الديمقراطي ومدماكه في إيران كما تركيا وسورية وكذا العراق، رغم خصوصية الأخير لجهة حلّ القضية هناك بعد سقوط نظام صدام حسين البعثي وفق الصيغة الفيدرالية، رغم التعثرات الجذرية للتحول الديمقراطي في بلاد الرافدين وعدم اكتمال تطبيق الحل الدستوري للقضية الكردية وهذا بحث آخر ليس هنا مقامه.

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG