Accessibility links

إيران اليوم.. خيارات حائك السجّاد المفلس


وزير الخارجية الأميركي جون كيري يصافح نظيره الإيراني جواد ظريف في مونترو بسويسرا (أرشيف)

بقلم عماد بوظو/

قدّم الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال الفترة الثانية من حكمه تنازلات كثيرة عند توقيع الاتفاق النووي مع إيران. جاءت تنازلات أوباما في سياق إصراره على تحقيق إنجاز في سياسته الخارجية، التي اشتكى منها كل حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التقليديين. ورغب بأن يكون الاتفاق النووي مع إيران هو إنجاز حكمه. من هنا، قدّم مجموعة من التنازلات الجوهرية في بنود الاتفاق نفسه ومدة تنفيذه وآلية مراقبة الالتزام به إلى درجة دفعت بعض الخبراء للشك بحقيقة رغبته في منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وأضاف إليها تنازلات أخرى تناولت دور إيران الإقليمي، ما أفسح لها المجال لتقوم بدور الطرف المهيمن في الشرق الأوسط. ولا يجب تجاوز أن القوات الأمريكية تعرضت لاستفزازات متكررة من الطرف الإيراني في العراق وأفغانستان دون أن ترد عليها، ووصلت الأمور إلى درجة أن تتحرش زوارق بحرية إيرانية بالسفن الأمريكية وتقترب منها بمناورات خطيرة أو تطلق طلقات تحذيرية على سفن تجارية في الخليج دون أن تنال على سلوكها هذا أي عقاب أو رد. وصل الاستفزازات إلى حدّها الأقصى، مع احتجاز الحرس الثوري الإيراني لزورقين أمريكيين في 12 كانون الثاني/يناير 2016 كانا في رحلة بين الكويت والبحرين وعلى متنهما عشرة بحارة عسكريين أمريكيين. ثم نُشرت صورهم وهم جاثيون على ركبهم وأيديهم مرفوعة خلف رؤوسهم ويقف حولهم جنود بلباس عسكري إيراني ويصوّبون بنادقهم على هؤلاء الجنود في وضعية يمكن أن يعتبرها الكثير من الأمريكيين سبباً كافياً لإعلان الحرب. يقول البعض إن مواقف شبيهة بهذه المواقف الضعيفة من إدارة أوباما تجاه إيران، وغيرها من الديكتاتوريات المارقة حول العالم، لعبت دوراً في فوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية تشرين الثاني/نوفمبر 2016.

في هذا الوقت، كان تيار من بقايا القوميين واليساريين والإسلاميين العرب، بما فيهم الموجودون هنا في واشنطن، يتغنّون ببراعة وقوّة وحنكة وصبر ما يحبون تسميته بـ"حائك السجاد الإيراني"، وفي ذهنهم صورة جواد ظريف وهو يسير مبتسماً مع جون كيري في شوارع جنيف لأخذ التنازل وراء الآخر من الطرف الأميركي، والذي كان لديه تعليمات على ما يبدو بالوصول إلى اتفاق مع الإيرانيين حتى ولو احتوى على ثغرات كبيرة تفرغه من مضمونه. كانوا ينظرون لجواد ظريف كمثال لهذا الدهاء. كانوا يتغنّون بزوارق الخشب الإيرانية التي تهرب منها البوارج الأمريكية حسب رأيهم، في استمرار لهواية التعلّق بحبال الوهم التي يصرّ عليها أمثال هؤلاء. إذ سبق وتعلقوا بأوهام قوّة صدام حسين و"أم المعارك" التي ستهزم أمريكا إذا تجرأت وهاجمت العراق. وكانوا يتأمّلون من كل الديكتاتوريات مثل الاتحاد السوفييتي في الماضي وروسيا بوتين اليوم، وكما يبدو فإن هذه الحالات مستعصية ولا يتعلم أصحابها مهما تكررت خيباتهم.

لم يتغيّر ظريف وروحاني وخامنئي والحرس الثوري. الوضع في إيران بقي على حاله. لكن في الولايات المتحدة ذهب أوباما وكيري فتغير حال "حائك السجاد الإيراني". واتضح أن دور القوي الذي كان يلعبه لم يكن بسبب امتلاكه لعوامل قوّة ذاتية بل بسبب سماح الإدارة الأمريكية السابقة له بلعب هذا الدور. لذلك، اختفت عمليات التحرش بالملاحة الدولية والسفن الأمريكية في الخليج؛ بل أصبح الإيرانيون يسكتون على تعرض سفنهم للاستفزاز. فبينما كانت السفن الإيرانية ترسو في الموانئ اليمنية محملة بالسلاح للحوثيين في اليمن عام 2015 نجد في تشرين الأول/أكتوبر 2017 صيادين يمنيين يحتجزون سفينة إيرانية على متنها 19 بحاراً إيرانياً. ونرى اليوم الحوثيين الذين اعتمدوا على إيران عندما قاموا بانقلابهم على الحكومة اليمنية مطلع عام 2015 في أوج شهر العسل الأميركي الإيراني، يشهدون هزيمة وراء أخرى. ومن المرجّح أن تتم هزيمة مشروعهم بالكامل عام 2018 الحالي. كما نتابع ضغوطاً دولية وإقليمية على إيران لتحجيم دورها في سورية. لكن التغير اللافت، كان الموقف الأميركي الجديد بتمديد رفع العقوبات الأمريكية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني لثلاثة أشهر للمرة الأخيرة حتى إغلاق الثغرات في الاتفاق السابق المتعلقة بمدة الاتفاق. إذ ترغب الإدارة الحالية بأن تكون مدة الاتفاق مفتوحة بدل المدة السابقة والتي تنتهي عام 2025 لبعض البنود و2030 لبنود أخرى. وتريد الإدارة أيضاً بحصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية على حق تفتيش كل المنشآت التي ترى وجود حاجة لتفتيشها، مع ضم موضوع الصواريخ البعيدة المدى وسلوك إيران الإقليمي للاتفاق النووي. أمام إيران أقل من مئة وعشرين يوماً للإجابة على هذه المطالب بظروف مختلفة عن الّتي تم فيها عقد الاتفاق النووي من ناحية وجود طرف أميركي آخر هذه المرة، مترافق مع وضع داخلي إيراني صعب.

أحال الرئيس أوباما الاتفاق النووي إلى مجلس الأمن نتيجة معرفته بمعارضة أغلبية الكونغرس الأميركي بمجلسيه له. وهدفت الإحالة إلى مجلس الأمن تحويله لاتفاق دولي ترعاه الأمم المتحدة وتوجيه ضغط على الكونغرس والرأي العام الأميركي لقبوله ولإعطائه بعض الحماية الدولية. لكن ذلك لم يغيّر من حقيقة أن الاتفاق في جوهره هو أميركي ــ إيراني. وسبق أن اشتكى الأوروبيون مراراً خلال المباحثات من تهميشهم، وكانوا يستغربون الجلسات والمحادثات التي تعقد على انفراد بين كيري وظريف دون أن يكون عندهم أي فكرة عن ما يدور فيها ليتم إعلامهم لاحقا بنتائجها. وكان هناك مستويان للمحادثات النووية: المستوى الرسمي لدول "الخمسة زائد واحد" مع إيران، ومستوى الخبراء وهو يقتصر فقط على الجانبين الأمريكي والإيراني وفيه تتم المفاوضات الحقيقية على تفاصيل الاتفاق النووي. وعند نجاح الخبراء في الوصول لاتفاق تتم دعوة الوفود الرسمية للتوقيع بروتوكولياً عليه.

ومن ناحية أخرى، فإن العقوبات الاقتصادية على إيران هي في حقيقتها عقوبات أمريكية لأن الولايات المتحدة تتحكم بشكل كبير بالنظام المصرفي الدولي، خاصة وأن النظام العالمي للمعاملات التجارية والعقود وخطابات الاعتماد يتم معظمها بالدولار. وتجدر الإشارة إلى أن كل البنوك في العالم، بما فيها البنوك الكبرى، تتعرض لغرامات باهظة تدفعها للولايات المتحدة في حال مخالفتها للقوانين الأمريكية بما فيها انتهاك العقوبات على الدول التي تشملها الولايات المتحدة بعقوبات. لهذه الأسباب، بدأت فوراً الاتصالات الأوروبية الإيرانية بعد الشروط التي وضعها الرئيس ترامب لتمديد العمل بالاتفاق النووي. وقالت صحيفة "فاينايشال تايمز" إن وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ومنسقة الشؤون الخارجية موغريني اتفقوا مع طهران على بدء محادثات مكثفة وجدية تتناول الملاحظات الأمريكية حول الاتفاق النووي، ويدرك الإيرانيون أن الاتفاق النووي لن يستمر دون الولايات المتحدة.

خلال فترة العقوبات الدولية السابقة على إيران من أجل برنامجها النووي تمكّنت إيران من الالتفاف على هذه العقوبات عبر دول أخرى مثل تركيا. وقد كشفت المحاكمة التي أقيمت في نيويورك نهاية عام 2017 لبعض من قاموا ببيع النفط الإيراني خارج النظام المصرفي الدولي عبر بنوك تركية أمورا مختلفة. من أبرزها، أن إيران حتى تتمكن من الالتفاف على العقوبات عليها أن تخفّض من سعر نفطها لدرجة مغرية حتى تتحمل الأطراف التي تقوم بعملية الشراء مخاطر التعرض للعقوبات، كما أن هناك رشى بعشرات ملايين الدولارات دفعتها الحكومة الإيرانية لوزراء ومسؤولين أتراك حتى تتم هذه العمليات.

بالمحصلة، فإن الالتفاف على العقوبات الأمريكية عملية معقّدة ومكلفة مالياً، كما أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي تعني التقليل من فرصة دخول استثمارات أوروبية إلى إيران والتي هي بأمسّ الحاجة إليها هذه الأيام في ظل أزمتها الاقتصادية الخانقة. ومن المؤشرات على الجدية الأمريكية أن وزارة الخزانة الأمريكية أدرجت الحرس الثوري الإيراني على قائمة العقوبات في تشرين الأول/أكتوبر 2017. وقال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين "إن الحرس الثوري لعب دوراً مركزياً في تحويل إيران إلى الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم وإن سعي إيران للقوة يأتي على حساب الاستقرار الإقليمي وإن وزارة الخزانة ستستخدم سلطاتها لعرقلة الأنشطة المدمرة للحرس الثوري". ومن المعروف أن مؤسسات الحرس الثوري تدير قسماً كبيراً من الاقتصاد الإيراني.

تأتي هذه الضغوط الأمريكية في وقت حرج بالنسبة للوضع الداخلي الإيراني، خصوصاً بعد الاحتجاجات الأخيرة والتي قال فيها المتظاهرون واصفين أوضاعهم: "أمّة الفقراء والمتسوّلين". وتكشف هذه التظاهرات الحجم الكارثي للأزمة الاقتصادية الإيرانية والتي يتوقع كثير من الخبراء الاقتصاديين بأن لا مخرج منها مهما كانت الإجراءات التي ستتبعها الحكومة الإيرانية. وأمام إيران اليوم مجموعة ضيّقة من الخيارات لمحاولة تدارك وضعها الاقتصادي منها تراجع دورها الإقليمي المكّلف وخاصة في سورية التي استنفذت أغلب ما دخلها من عائدات بعد إلغاء العقوبات الدولية عليها وهذا ما طالب به المتظاهرون الإيرانيون مؤخّراً، أو الالتزام بالشروط الأمريكية وتوقيع ملحق بالاتفاق النووي كما يتفاوض اليوم الأوروبيون والإيرانيون، أو المكابرة ومتابعة الطريق السابق نفسه واستمرار الأزمة الاقتصادية والتململ الشعبي والمخاطرة بتكرار الاحتجاجات الشعبية مع ما تمثّله من تهديد جدّي للنظام في إيران.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG