Accessibility links

القضية الكردية-العراقية من خلال أربعة كتب (3-4)


صورة لغلاف الكتاب الصادر في بغداد عام 1962

بقلم نبراس الكاظمي/

ما أشبه اليوم بالبارحة، إذا ما قسناه بتقلب التحالفات السياسية، وأيضا بتداول المصطلحات الجارحة والدارجة في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في ما يخص الأزمة الأخيرة بين بغداد وإقليم كردستان العراق. ففي غضون ستة أشهر من عام 1961، تحولت علاقة عبد الكريم قاسم مع ملا مصطفى البارزاني مما سبقها من حلف وثيق ضد القوى المناوئة للجمهورية الفتية، إلى استخدام الجيش في حسم الصراع السياسي مع الأكراد. وهذا الكتاب "من يحرك البارزاني؟ أسرار تنشر لأول مرة" تأليف الصحفي والباحث هاشم البناء، يختصر علينا المسافة في إدراك المصطلحات التي ساقتها بغداد في وصف حليف الأمس، الذي غدا "عميلا" و"جاسوسا" و"لصا" و"قاطع طرق"، وانصاره "قرود" و"مخالب القط" و"بيادق الاستعمار".

ويضيف البناء بأن البارزاني يقف "أمام الزحف الوطني المقدس القائم على الوحدة الوطنية." ويتساءل "أيريدون إشغال قطعات من الجيش العراقي الباسل في الشمال لتقوية الاخطبوط الإنكليزي الجاثم في الخليج العربي في الجنوب؟!" ويحذر البناء من أن هذه المحاولات ستبوء بالفشل، "فعلى صخرة إيمان الشعب وحبه لزعيمه عبد الكريم قاسم ارتطمت الخيانة وانتثرت أشلاؤها شذر مذر..." وبأن المخطط الاستعماري سيكشف عنه ويوّثق، و"سوف تظهر هذه الوثائق عما قريب في إحدى المحاكم العسكرية أو المدنية التي ستنظر في هذا المتمرد الاستعماري الظالم..." موضحا أن "التمرد الخياني لم يكن وليد تحركات عسكرية وإنما هذه التحركات جاءت نتيجة لإعلان التمرد واقتضتها حماية الأمن والاستقرار من عبث المفسدين".

للحدث خلفية معقدّة، ولا يزال بعض من جوانبه غامضا، بل التساؤل الأكبر هو هل كل ما حصل لاحقا لا بد منه، أو أنه جاء جراء تصعيد خطابي ما بين الطرفين انتهى إثر تراكم الأخطاء إلى حرب ضروس؟ حرص انقلابيو 14 تموز 1958 على استمالة المكوّن الكردي كما كان يفعل العهد الملكي، وذلك من خلال تطعيم قيادات النظام الجديد بعناصر كردية. فكان أحد أعضاء المجلس السياسي الثلاثي كرديا، وهو ضابط عسكري متقاعد من مواليد قرية بامرني قرب دهوك، وعمل متصرفا (محافظا) للواء أربيل قبيل الانقلاب. وقد اختاروا الابن الثاني للشيخ محمود الحفيد، بابا علي الشيخ محمود، وزيرا للمواصلات، بعد أن كان قد تبوأ منصبا وزاريا في إحدى حكومات نوري السعيد.

ورحب النظام الجديد بعودة ملا مصطفى البارزاني من منفاه في موسكو، الذي صدف تواجده في تشيكوسلوفاكيا أثناء حدوث الانقلاب، فعاد إلى العراق بحرا من خلال ميناء البصرة يوم 5 اكتوبر 1958 حيث احتشد عشرات الآلاف من الأكراد والعرب عند استقابله. يُذكر بأن البارزاني سلك طريق العودة من خلال القاهرة حيث التقاه جمال عبد الناصر الذين كان يعده الأكراد متعاطفا معهم. وفي آذار 1959، اندلعت محاولة انقلابية جديدة في الموصل بقيادة الضابط عبد الوهاب الشواف، وهنا جاء دور الأكراد مناصرا لحكومة عبد الكريم قاسم، واستطاعوا تحييد دور العشائر العربية المناصرة للشواف كقبيلة شمر، والتي انتهى شيخها صريعا على يد مجموعة من المقاتلين الأكراد. وربما وجد قاسم في البارزاني وأنصاره قوة ضاربة تشد من أزره كما كان يفعل الشيوعيون، فسمح بعودة بقية المنفيين البارزانيين من روسيا، بل سمح لهم بالاحتفاظ بالسلاح أيضا، وأوعز كذلك إلى مجلس الاعمار بإعادة بناء قرية بارزان المدمرة. فبعد أحداث الشواف بشهر، انطلقت سفينة من ميناء أوديسا بالاتحاد السوفيتي تحمل جُل من لجأ او التحق مع البارزاني في روسيا، وكان عددهم، حسب وكالة تاس السوفيتية، "459 مواطنا عراقيا، يصطحبون 394 من النساء والأطفال، وأيضا مئة مسن أو معوق". ولكن الغريب في الأمر كان موقف الصحافة المصرية، إذ قلبت الصورة وجعلت هؤلاء المارين في قناة السويس في طريقهم إلى العراق "850 مقاتلا من أكراد الاتحاد السوفيتي" (هناك أقليات كردية في جمهوريتي إرمينيا وأذربيجان)، وبأن ثلاث سفن ممتلئة بالسلاح قد قدمت معهم، وهؤلاء هم طلائع "جيش احتلال سوفيتي سيفرض على العراق"، وهذا دليل بأن نظام عبد الناصر في مصر قد استعدى عند هذه اللحظة نظام قاسم، وأراد أن يجعل من تحالف الأخير مع الاكراد مثلبة عليه. وردّت وكالة تاس موضحة بأن مزاعم الصحافة المصرية ليس فيها أي أساس من الصحة، إذ إن السفن الثلاث المشار إليها إحداها أفرغت معدات صناعية في موانئ مصر، والأخرى كانت تحمل مادة الاسمنت الى بورما، أما الثالثة كانت محملة بالسكر إلى اليمن.

وسرعان ما اختُبر هذا التحالف ما بين قاسم والبارزاني عندما اندلعت أحداث كركوك في الذكرى الأولى للانقلاب، وكانت شرارتها الاحتقان القومي الكردي-التركماني القائم منذ عقود، ولكن قاسم آثر وضع اللوم على الشيوعيين حصرا. وبعدها في شهر أكتوبر، قام البعثيون بمحاولة اغتيال قاسم، وهنا نرى أول ملامح لشاب مدعو باسم صدام حسين من بين أعضاء فريق الاغتيال، انتهى به الأمر بعد المحاولة الفاشلة لاجئا في القاهرة. هذه الحادثة جعلت قاسم يتريث في شأن قطع صلاته كليا مع الشيوعيين ومعاقبتهم على أحداث كركوك، ولكن بقي الاحتقان موجودا وألقى بظلاله، في أول الأمر، على علاقة قاسم مع البارزاني. وتبع هذه الأحداث منح رخصة لنشر جريدة "خه بات" (النضال) لسان حال الحزب الديموقراطي الكردستاني، وثم إجازة الحزب نفسه في شباط 1960. وكان حزب البارتي متحالفا ومتماهيا مع الشيوعيين، فيقول في ميثاقه التأسيسي إنه "يمثل مصالح الفلاحين والكسبة والحرفيين والمثقفين في كردستان العراق" ويستلهم توجهاته الاجتماعية من النظرية العلمية الماركسية اللينينية. ولكن مع تزايد الاحتقان بين السلطة القاسمية والشيوعيين، وجد البارزاني أن عليه تحييد الجناح اليساري في الحزب من خلال سلسلة من الإجراءات لإرضاء قاسم، منها عزل أقطاب هذا الجناح في الهيئة التحريرية لدى جريدة خه بات، والتي كانت قد شرعت بانتقاد قاسم جراء ما وصفته بمحاباة الاقطاع من بعد عفوه عن غريم البارزانيين القديم، الشيخ رشيد لولان الذي كان قد انتفض مع أغوات أكراد آخرين ضد الإصلاح الزراعي في أولى أشهر العهد الجديد.

ولكن جريدة خه بات استمرت بالنقد المبطّن، فتارة كانت تطالب بالإسراع بتجسيد وعود السلطة تجاه الأكراد، وتارة أخرى تدعو إلى إلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء الفترة الانتقالية والتوجه إلى دستور دائم وانتخابات نيابية.

وربما تحسس قاسم من هذا النقد بشكل مفرط، ووجد فيه توجها يساريا جديدا ينوي تقويض حكمه، فرد من خلال ما بات يعرف بالدعوة إلى الانصهار، أي إن القوميات والهويات الفرعية عليها أن تذيب نفسها ضمن الهوية العراقية الجامعة، وحاول نقض فكرة الخاصية القومية للأكراد في إحدى خطبه، فأدى ذلك إلى استفزازهم، فواصلت جريدة خه بات حملتها ضد قاسم، مما أثار غضبه، إلى درجة تلفيق تُهم ضد صاحب امتيازها الأول وسكرتير عام حزب البارتي عند تأسيسه (ومن ثم لاحقا مؤسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني المنشق عن البارزاني) إبراهيم احمد فتاح الذي اتهمته السلطات العراقية بمقتل زعيم عشيرة خوشناو قرب شقلاوة. وتواصل التأزيم على صفحات الجرائد إلى أن نشرت جريدة الثورة مقالا بعنوان (تحت ظلام الشيوعيين يكتبون) تهدد فيه بأن النظام الجديد قد وجد مراسلات سرية في مقر حلف بغداد تكشف عن "عملاء متسترين" في خدمة الاستعمار وبأنها ستنشر هذه الوثائق قريبا، وكان التلميح القوي هنا بأن الشخص المعني هو ملا مصطفى البارزاني نفسه.

وهكذا تبلور خطاب جديد لدى العهد القاسمي، ألا وهو جعل البارزاني تابعا لمخطط غربي يحاول تقويض سلطة بغداد، والتي كانت تروم مضايقة شركات النفط العالمية العاملة في العراق، والمطالبة بالكويت، ذاك "القضاء العراقي السليب" حسب وصف البناء. ولعل القشة التي أدت إلى اختلال التوازنات كليا أتت من جانب محامٍ شاب وطموح عمره 28 سنة فقط واسمه جلال الطالباني، والذي كان يُعد نجما صاعدا ضمن صفوف البارتي. فأعتلى الطالباني إحدى المنصات في بغداد ونوه بأن عبد الكريم قاسم كان يعمل تحت أمرة ضابط بريطاني حين مشاركته في العمليات العسكرية ضد البارزانيين إبان العهد الملكي. ويضيف البناء إلى معلوماتنا في كتابه حيث يشير إلى قيادة الضابط عبد الكريم قاسم لفصيل مشاة مكون من ثلاثين جنديا في معركة ليلية ضد قوات البارزاني في منطقة ميركه سور سنة 1945،بل يتغنى البناء بهذه المعركة كدليل على انتصارات "الزعيم" ضد العصاة، وليس كما أراده الطالباني من تنويه، بأن من يتهم غيره بالعمالة لدى الإنكليز بناء على وثائق حلف بغداد المكتشفة كان نفسه يأتمر لدى ضابط بريطاني.

تفاقمت الأمور إلى حين إعلان الأكراد الاضراب العام في شهر أيلول، وما لحقه من انتشار لقوات البيشمركة في العديد من المناطق الكردية. مما حدى بقاسم إلى تعبئة الجيش في المقابل. وهنا حاول البارزاني الركون إلى التهدئة والعودة إلى التفاوض وفق نقاط محددة أرسلها إلى قاسم، ولكن جاء رد الأخير من خلال خطاب استمر لخمس ساعات ونصف أمام وكالات الإعلام يعزز فيها من الخطاب المتشدد الجديد، أي إن الحركة الكردية الأخيرة هي جزء من مؤامرة كبرى تحاك ضد البلد، وبأن البارزاني عميل للإنكليز "منذ أن كان ساعيا للبريد سنة 1933"، وادعى قاسم بأن الانكليز مولوا البارزاني بنصف مليون دينار عراقي، وبأن العراق قد يغلق السفارة البريطانية في بغداد ردا على ذلك.

وثم تزايدت الحشود، وبدأ القتال المرير، والتجأ ذاك المحامي الشاب إلى الجبل، وشرع بقيادة مفارز عسكرية ضد الجيش العراقي. وهنا يأتي كتاب البناء الذي نشر في تموز 1962 ليكمل السردية من وجهة نظر الحكومة، واصفا الأحداث بأنها "عملية تمرد موقوتة قام بها بعض المتمردين في الوقت الذي كانت تجري فيه مفاوضات النفط مع الشركات، ويخوض الشعب معركة دبلوماسية حاسمة من أجل تحرير الكويت..."

وفي معرض رده على بيان الحزب الشيوعي القائل بأن الأحداث "أثارت قلقا عميقا لدى القوى الديموقراطية الحريصة على وحدة الصف الوطني ضد الاستعمار نظرا لما يتمتع به البارزانيون من عطف وتقدير الجماهير الشعبية العربية والكردية على السواء"، أجاب البناء "رضيت الشيوعية عن الملا مصطفى البارزاني لأن الاتحاد السوفيتي رضي عنه وأكرمه في لجوئه"، وهنا يظهر شيء من التناقض في سردية عمالة البارزاني إلى القوى الغربية، إذ إن وكالات الاستخبارات البريطانية والأميركية كانت في ذلك الوقت تنظر إليه على أنه "بيدق سوفيتي"! ولكن عند حبك السرديات التعبوية، لا يوجد متسع للاتزان والتأمل في مصداقياتها، فيستطرد البناء قائلا إن "الزعيم (عبد الكريم) بصبره الطويل الجميل، وذهنه المتوقد، وإرادته الحديدية القوية ليلقن هؤلاء الدرس بعد الدرس، ويطهر التربة العراقية من أدرانهم وآثامهم ويقضي على أعشاشهم وأوكارهم..."

وثم يهلهل البناء بقرب انتهاء "التمرد" فينقل عن قائد الفرقة الثانية "بأن المعلومات المتوفرة لدينا تدل على أن الملا الخائن قد جرح جرحا بليغا وهرب مع شقيقه، وأغلب الاحتمال أنه سيموت"، مضيفا "وأكد الزعيم الأمين على أن الأمن والأمان قد عادا إلى ربوع الشمال ورفع علم الجمهورية العراقية فوق زاخو..."

يختتم البناء كتابه ببرقيات بعثتها قيادات كردية تناصر عبد الكريم قاسم، منها واحدة من طرف رشيد لولان الذي كان قاسم قد عفا عنه، يدعوه فيها إلى "تخليصنا من هؤلاء الكفرة والملحدين" في إشارة إلى الاتهامات بالخروج عن الدين التي كان يكيلها لولان ضد مشايخ الطريقة الصوفية البارزانية منذ العهد العثماني. كما أن هناك برقية أخرى من عدو قديم آخر للبارزانيين، وهو محمد فارس آغا شيخ الزيباريين، الاقطاعي العتيد الذي كان يتهم الطريقة البارزانية بتقويض سلطان عائلته على تلك المناطق منذ مئة عام، بالإضافة إلى برقيات من مشايخ يتلقبون بـ "البارزاني" يعلنون فيها إذعانهم للحكومة.

ويجد عدد من المؤرخين أن انهيار تحالف عبد الكريم قاسم مع البارزاني، واستمرار القتال بينهما لحين انتهاء حكم قاسم، ساهم لاحقا بإضعاف نظام الحكم في بغداد، وأبقى قاسم وحيدا أمام مخططات مجاميع أخرى من الضباط القوميين اليمينيين. وثم انتهت الأمور إلى انقلاب شباط 1963 وإعدام عبد الكريم قاسم في دار الإذاعة ببغداد، حيث صورت جثته الهامدة، وتعدى أحد الجنود بالبزق عليها، "مبشرا" الشعب العراقي بقدوم عهد جديد، مضى هو أيضا، وبقي البارزاني صامدافي المشهد، إلى حين وفاته هو الآخر في منفاه الأميركي هذه المرة، قبيل أربعة أشهر من تولى صدام حسين رئاسة العراق، وإحالة الزعامة البارزانية إلى مسعود البارزاني، الذي اجتاز الفترة الصدامية، وربما هو اليوم يتأمل اجتياز ما لحقها.

للاطلاع على الكتاب اضغط على هذا الرابط:

http://www.imarawatijara.com/anti_barzani_book_1962-2/

ــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG