Accessibility links

القضية الكردية-العراقية من خلال أربعة كتب (2-4)


الجزءان الأول والثاني من كتاب مشاهير الألوية العراقية للمؤلف عبد المجيد فهمي حسن

بقلم نبراس الكاظمي/

يستهل المؤلف الجزء الأول الصادر سنة 1946 عن مطبعة الزمان ببغداد، والمختص بلواء (محافظة) السليمانية بتعريف القارئ بمتصرفها السابق معروف جياووك، الذي أوردنا كتابه "مأساة برزان" في مقالنا السابق. ويختتم المؤلف الجزء الثاني (1947) الذي يتمحور حول لواء كركوك باستدراك حول جياووك أيضا. يبدو أن الأخير كان قد أعان لجنة التأليف والتي كان يرأسها عبد المجيد فهمي في تجوالها في محافظة السليمانية وأوعز إلى الجهات الرسمية في اللواء تسهيل مساهمها، وقد عبّر المؤلف عن امتنانه لذلك من خلال تقديم ترجمة موسعة لسيرة المتصرف. مثلا، نجد أن جد جياووك، الحاج مولود سعدي "بديع الزمان"، كان فقيها شهيرا وقد آزر الدولة العثمانية "ضد الروس في سبيل الإسلام بغزوتين". أما والده "علي أصغر أفندي" فكان بدوره من "أفاضل العلماء واشتغل في التدريس وإمامة الجيش ووكالة الأوردو (القوات المسلحة) في جميع المحاكم". أما جياووك نفسه فيعرفنا الكتاب عن الظروف التي انتهت به أسيرا ومنفيا في بورما، حيث كان معاونا لمدرسة المعلمين في البصرة وأسس "جمعية الخطابة والدفاع" ليحث الأهالي على التصدي للجيش البريطاني عند مطلع الحرب العالمية الأولى قبيل أسره من قبل الإنكليز. عند صدور الجزء الأول لم تكن بغداد قد عيّنت متصرفا لخلافة جياووك، ولكن في الجزء الثاني نجد إشارة إلى أن حسن الطالباني خلفه في هذا المنصب، والذي سيصبح لاحقا في الحقبة الجمهورية وزيرا في الحكومة القاسمية الأولى.

الأمر الذي استوقفني في هذين الجزئين هو أن ظاهرة جياووك، أي الكردي المُنحاز إلى السلطة المركزية، إن تواجدت في اسطنبول أو بغداد، لم تكن ظاهرة قشرية أو شكلية أو فردية، بل من خلال مطالعة تراجم المسؤولين في هاتين المحافظتين نجد أن بغداد كان لها خزين كبير من إداريي الدولة العثمانية من القومية الكردية أو من المتمكنين من اللغة الكردية، لها أن توكل إليهم مهام إدارة شؤون المناطق ذات الأكثرية الكردية، وهو ما كان منصوصا عليه ضمن فكرة "الإدارة الممتازة" (الحكم الذاتي) التي أرادت عصبة الأمم تنظيم وجود الكُرد ضمن الوحدة العراقية من خلالها.

فمثلا، ينتسب جياووك من جانب والدته إلى عائلة بابان، وهي نفسها العائلة التي استطاعت انتزاع السلطة في مناطق واسعة من محيط السليمانية وأدخلتها ضمن رقعة "إمارة بابان" شبه المستقلة. بل إن أحد زعماء هذه الإمارة، إبراهيم باشا البابان، أنشأ مدينة السليمانية على أطلال قلعة وقرية كانت في محلها سنة 1784، وتتضارب الروايات فهناك من يقول إنه سماها باسم جده، وفي رواية أخرى "إكراما لوالي بغداد... بيوك سليمان باشا الكولمندي" أي صاحب المماليك الجورجيين والذين كانوا قد انتزعوا شيئا من الحكم المحلي في بغداد في منتصف القرن الثامن عشر. ولكن بعد مرور سبعين عاما، ومع ورود تغيرات جذرية في العلاقات الجيوستراتيجية والاقتصادية والإدارية، تحولت أنظار الباب العالي إلى هذه المقاطعات المهملة سابقا كالعراق، فتحركت القطعات العسكرية العثمانية لبسط السلطة المركزية هناك، ووقعت إمارة بابان كغيرها ضحية لهذا التوسع. ولكن في نفس الوقت، سعى العثمانيون إلى إدماج عائلة بابان ضمن النُظم الإدارية العثمانية، فنجد أن العائلة "كانت لها مكانتها المحترمة، ففي العهد العثماني كانوا المقربين، فمنهم الوزراء والولاة، فمثلا (مصطفى زين باشا) كان واليا على الحجاز وإسماعيل حقي باشا كان وزيرا لوزارة المعارف العثمانية وخالد بك كان مدرسا خاصا للسلطان محمد رشاد ومجيد باشا والد جميل بك كان قائم مقام لقضاء رواندوز وكفري والشامية برتبة، كان (مير ميران)..." واستمر الحال من بعد تحول البوصلة المركزية من اسطنبول إلى بغداد، فنجد الوزيرين جمال وجلال بابان، والنائب صلاح الدين بابان، وكذلك فاضل بابان معاون مدير الشرطة، وأيضا أحمد مختار بابان رئيس الديوان الملكي لفترات طويلة، وآخر رئيس وزراء في العهد الملكي.

لم يقتصر الأمر على لقب "بابان". الجزءان يضمان تراجم لعشرات الرجال من المسؤولين والتجار وشيوخ العشائر، ولكن أهم ما في الأمر هم المسؤولون والضباط، إذ نجد أن كركوك بالأخص كانت ترفد السلطات العراقية بالعديد من الرجالات المتمكنين من اللغات الكردية والعربية والتركمانية لخاصية تلك المدينة كنقطة التقاء لهذه الهويات ضمن الإدارة العثمانية سابقا، ولكون كركوك نقطة سيطرة مهمة على أحد الطرق التجارية والإدارية الرئيسية ما بين بغداد والموصل وما يلي الموصل. فالألقاب "التركمانية" كـ "قيردار" أو "نفطجي" أو غيرها تخفي أواصر أخرى تجمع هذه العائلات مع أنساب كردية بحكم التزاوج الحاصل ما بين طبقة الحكام والمتنفذين في تلك المدينة، والتي كانت الهوية الجامعة فيها هي الإسلام السني والولاء للعرش السلطاني. واستمر الحال بعد انتقال ذلك الولاء إلى العرش الهاشمي ببغداد. ولعل الانتساب الكردي، من جهتي الأب أو الأم، والذي تفاوت في وضوحه لدى الرجالات الأبرز في العهد الملكي، مثل نوري السعيد وجعفر العسكري وطه الهاشمي وأخيه ياسين الهاشمي وبكر صدقي وغيرهم، وحتى مثقفين كمعروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، وامتد إلى العهد القاسمي مع ورود روايات انتساب والدة عبد الكريم قاسم إلى العنصر الكردي، هو دلالة على انصهار أعداد كبيرة من الكرد ضمن النظم الإدارية المركزية على مدى مئات السنين.

ومن المفارقات في الجزء الأول هو ورود الإهداء إلى "سيادة الزعيم الحر الشيخ محمود الشيخ سعيد (الحفيد)" الذي يوصف في موضع آخر بـ"الزعيم الأكبر للسادات البرزنجية، كما أنه الرئيس الأعلى لعشائر لواء السليمانية، والمتنفذ الأوحد فيها". المفارقة تقع في أن الحفيد كان في حال ثورة شبه مستمرة من سنة 1919 إلى 1923 ضد الدولة العراقية، وتم نفيه عدة مرات خارج البلد وداخله، وبقي مشاكسا ومشاغبا لحين عقد الثلاثينيات، تلاها نفيه لمدة 10 سنوات في جنوب العراق وفي بغداد، وبعدها سمح له بالعودة إلى قريته داركلي لقضاء خريف العمر. ومشروع دليل تاريخ مشاهير الألوية العراقية كان مجازا من قبل مديرية الدعاية العامة، ولكنه في نفس الوقت يقدم هذا الدليل سردية متعاطفة مع سيرة الحفيد، فمثلا يعلمنا المؤلف بأن الحفيد ذهب إلى الشعيبة قرب البصرة مع 1800 خيال و300 راجل "للذود عن الإسلام"، وقضى ثمانية أشهر في القتال ضد الإنكليز هناك. ثم خاض 20 معركة ضد الروس المتقدمين على نواحي رواندوز. وحتى عندما ثار في مطلع العشرينيات وأعلن نفسه ملكا على كردستان كان "وطنيا" في ذلك لأنه قاتل الإنكليز "فوقعت بينه وبينهم حرب ضروس دامت 45 يوما في مضيق (طاسلوجة) وقد جهز له في تلك الحرب 50 ألف مقاتل دون أن يتمكنوا من التغلب عليه إلا بعد خيانة أحد المقربين إليه..." وبعدها أرسل منفيا إلى بومباي وثم إلى بونا، وهكذا. أما انصياعه الأخير للسلطة المركزية "كان في نهايتها أن استسلم إلى الحكومة العراقية حقنا لدماء المسلمين" أي أنه تنازل عن استقلال قومه لا لأنه قد اقتنع بـ "الوحدة العراقية" وإنما حرصا على الأرواح.

هذه السردية تعكس الاعتقاد السائد في سنة 1946 بأن القضية الكردية قد طوي أمرها، وبأن الدولة تتمتع بما يكفي من الثقة لأن تفسح المجال لسردية متعاطفة مع أحد خصومها كي تُنشر من دون تدخل مقص الرقيب. ولكن سنة 1946 أيضا شهدت ولادة جمهورية مهاباد الكردية في يناير، ثم انتهاءها في ديسمبر، وولادة الحزب الديموقراطي الكردستاني (الپارتي) برئاسة ملا مصطفى البارزاني (في شهر آب). ولتوضيح أهمية هذه اللحظة من تاريخ الحركة الكردية، يعرفنا مؤلف الدليل بأصغر أبناء الشيخ محمود الحفيد، عبد اللطيف الحفيد، ليقول بأنه "نهج منهج أسرته في التقرب إلى الله" و"انشغل في الشؤون الزراعية". ولكن ما فات المؤلف هو أن عبد اللطيف الحفيد كان قد انتخب نائبا للبارزاني في حزب الپارتي وذلك سرا في أولى جلسات تأسيسه في بغداد.

يحتوي الجزءان على الكثير من المعلومات المهمة والتي يستطيع المؤرخ إعادة تأويلها بأثر رجعي من بعد مشاهدة كل ما حصل في السبعين سنة الماضية منذ صدور هذه الكتب. فمثلا، يفيدنا المؤلف بأن حوالي 40 بالمئة من سكان محافظتي السليمانية وكركوك هم من العشائر المترحلة والمتنقلة، أي غير الثابتة والتي يصعب تعداد سكانها أو تحديد موقع سكناهم. وهذا التماوج الديموغرافي سيلقي بظلال مخيفة على مستقبل هاتين المحافظتين عند تحديد التركيبة السكانية التي تُجزم بأن فلان قومية تشكل الغالبية أو علان مذهب يشكل الأقلية. ومثال آخر على أهمية الكتاب يكمن في الإعلانات، إذ نجد أن أغلبها لتجار وحرفيين ومجهزين من بغداد والبصرة، أي أن أسواق السليمانية وكركوك هي أسواق ثانوية ضمن العراق، لم تستطع إفراز طبقة رأسمالية موازية لتلك في المدن الرئيسية الأخرى. والإشارة الأخرى تكمن في أنهما لم تكونا ضمن دائرة الموصل التجارية، كمثل أربيل ودهوك.

وفي تقريظ الجزء الثاني، يضع الكاتب البغدادي محمد عباس الصالح عبارة "كركوك عروس كردستان" من دون تحسس كذلك الناجم حاليا عن مصطلح "كركوك قدس كردستان". وهناك إشارات مهمة لسياسة التعريب "الفعلي" التي كانت السلطة الملكية قد بدأتها من خلال إسكان عشائر العبيد وأخرياتها ضمن مشروع ري الحويجة. وكان العبيد قد نزحوا إلى العراق منذ أربعة قرون من نجد وسكنوا نواحي الجزيرة شمال جبل سنجار. ولكن هجرات شمر اللاحقة من حائل دفعت العبيد في اتجاه الجنوب شرق، فانتقلوا إلى سهل الحويجة، ودفعوا بدورهم البيات والعزة عنها، مما ساهم في اضطراب الهوية لدى هذه العشائر المهزومة ما بين التركمانية والكردية والعربية. وحتى صدور الجزء الثاني، لم يكن العبيد قد سجلوا رسميا ضمن نفوس قضاء الحويجة. وكل هذه ستصبح لاحقا ألغاما ديموغرافية لا تزال تتفجر في نواحي كركوك وديالى.

كانت غاية لجنة التأليف إصدار دليل لكل محافظة عراقية. وهناك دعايات تعلمنا بقرب صدور الجزء الثالث المتعلق بأربيل، ولكن لم يصلنا منه شيء. ويبدو أن أزمة الورق ما بعد الحرب العالمية الثانية قد ألقت بظلالها على هذا المشروع كما هو موضح من خلال كتاب وزارة التموين بتاريخ حزيران 1947 إلى اللجنة تعلمهم بأنها لن تستطيع تزويدهم بالورق. ويبدو كذلك بأن اللجنة كانت تعاني من التسقيط والإشاعات من طرف جهات منافسه لهم في هذا الصدد، والجزء الثاني تتخلله العديد من هذه الإشارات إلى حروب المثقفين والصحفيين في ما بينهم.

وإحدى المفارقات الأخرى هي ورود دعاية في الجزء الثاني لاقتراب صدور كتاب "قلب اليمن" الذي تناولناه في مقال سابق.

ويبقى أمامنا هذا التساؤل عند مطالعة الكتاب: إن كان لدى الكرد خزين كاف من الكفاءات الإدارية التي تشكلت في آخر 50 عاما من الحكم العثماني، مما كان سيساعد في اندماجهم ضمن إدارة جديدة مركزها بغداد، وهم في ذلك متقدمون بصورة واسعة على شيعة العراق، وإن كانت الأجواء توحي في منتصف الأربعينيات بانخماد تطلعات الكرد في الاستقلال، فكيف أضاعت الدولة العراقية فرصة تلاحم القومية الكردية ضمن الرابطة العراقية؟ حصل هذا كله قبيل "المناطق المحرمة" وتدمير آلاف القرى وإبادة البارزانيين وعمليات الأنفال ومأساة حلبجة ومرور 26 عاما من الاستقلال "الفعلي" ومأساة الأيزيديين على يد داعش واستعادة كركوك والمناطق المتنازع عليها بقوة السلاح. أي عند المقارنة، كانت الجراح في سنة 1947 لا تزال طفيفة نسبيا، وتواجد ذلك "الجيل العثماني" الكردي في مفاصل الدولة العراقية الفتية كان عاملا مساعدا للتفاهم والتساوم. فمن سيدير "الحوار" في يومنا هذا بعدما حصل كل ما حصل؟

للاطلاع على الكتاب اضغط الرابط:

http://www.imarawatijara.com/suleimaniya_kirkuk_majid_fahmi/

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG