Accessibility links

رئيس مجلس النواب العراقي يسير على حبل مشدود في فضاء تحكمه قواعد طائفية


الجبوري متحدثا خلال مؤتمر الطاقة في نيسان/أبريل الماضي

بقلم نضال منصور/​

لم أكن أعرف أن مقابلة المسؤولين صعبة جدا وتحتاج إلى إجراءات أمنية مشددة إلا حين زرت بغداد مؤخرا، وشاهدت ما كنت أسمعه عن المرافقين الذين يصحبهم "الرؤساء" في لبنان.

في الأردن يكفي أن أتصل هاتفيا لأحدد موعدا للقاء، فأذهب مباشرة دون إجراءات تفتيش وبروتوكولات معقدة.

حدثني رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري بقصة طريفة وقعت معه حين كان رئيسا لمجلس النواب الأردني في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وزار عمان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وقرر المصري أن يذهب راجلا إلى مقر إقامة بري بالفندق ليدعوه إلى العشاء.

لم يصدق بري أن المصري يأتي إلى الفندق منفردا دون حراسات ومرافقين أمنيين، وكان مترددا وحذرا في الذهاب إلى العشاء أيضا دون حراسة وسيارات ترفع الأعلام وتغلق الطرق.

الجبوري يرغب بالعودة لرئاسة البرلمان ويعترف بالتأثيرات الخارجية على صناعة القرار الداخلي وتشكيل الحكومة

هذه القصة استرجعتها وأنا أتوجه لمقابلة رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري في منزله بالمنطقة الخضراء في بغداد.

الإجراءات الأمنية التي وضعها وطبقها الجيش الأميركي منذ دخوله العراق وسقوط نظام صدام حسين لم تتغير حتى الآن. ظلت البروتوكولات ذاتها متبعة، خاصة في المنطقة الخضراء التي تتواجد فيها السفارة الأميركية. وبعد الحاجز الأمني الأول، فإن نقطة التفتيش الثانية يشرف عليها عسكريون غير عراقيين حتى الآن.

اقرأ للكاتب أيضا: بغداد تهزم الموت والإرهاب وتبشر بعراق جديد بعد الانتخابات

لفت انتباهي أنهم يتحدثون عن الـ "K9" عند نقاط التفتيش، وحين سألت المرافقين معي ماذا يعني ذلك، أخبروني أن التسمية تعود للكلاب التي تكشف عن المتفجرات في السيارات، ويعتقدون أن التسمية حملها معهم الأميركيون وبقيت سارية.

أسئلة متعددة ومتزاحمة كنت أستعد لأطرحها على رئيس مجلس النواب العراقي الذي استطاع أن يدير اللعبة بتوازن في مرحلة معقدة ومضطربة. ليس سهلا أن تتحرك في فضاء تحكمه قواعد طائفية أحيانا، ويحركه من خلف ستار لاعبين إقليميين ودوليين، وتتقدم المصالح الشخصية المتشابكة والمعقدة، وفي ظل هذه المعادلات مطلوب من "الرئيس" أن ينجح في السير على الحبل المشدود كلاعب السيرك!

قلت للرئيس الجبوري الممثل للمكون "السني"، كيف نجحت في أن تكون قاسما مشتركا للجميع رغم اختلافهم؟

لم يتردد الجبوري في القول: "حاجتنا في العراق تقتضي أن نبني علاقات قائمة على أساس المصالح المشتركة، والابتعاد عن نهج العداء".

ويمضي ليؤكد أن "العراق بلد متنوع، والمطلوب التعاطي مع الإنسان بمختلف مكوناته، وحتى الأطياف المتنوعة لديها رؤية بضرورة الاستقرار والبناء، ولكن أحيانا تخوننا الرؤية والأساليب التي نستخدمها في تعبئة الجمهور وفي الضرب على وتر انتمائهم وهذا خطأ تم تشخيصه".

الجبوري لا يناور في مسألة انتماء العراق، فهو يعيد الاعتبار لقضية شهدت صراعا منذ عام 2003 وتناوشتها أطراف مختلفة، "العراق جزء من المنظومة العربية" هذا ما يجاهر به ويعمل من أجله، رغم عتبه على الزعماء العرب لإدارة ظهورهم للعراق في السنوات التي مضت مكتفيا بالقول "للأسف كان هناك نوع من الصد العربي للعراق".

العراق دفع ثمن التحشيد الطائفي وهناك من حمل السلاح ليقتل على الهوية

يكمل الجبوري تشخيص حساسية الوضع العراقي بالقول "حين تزور دولا عربية فإن هناك طيفا يشكك بزيارتك ويتهمك، وعندما تزور تركيا وإيران يتكرر الأمر نفسه".

يدرك الجبوري أن ظروف العراق السياسية صعبة، وأول الخطوات المطلوبة برأيه "البحث عن المشتركات أكثر لتلافي النقاط المختلف عليها، ويرفع صوته عاليا... نحن لم نخلق لكي نعادي الجميع".

يرى الجبوري أن العراق دفع في السنوات الماضية ثمنا للتحشيد الطائفي، ويقر أن الدفاع عن الهويات الفرعية والطائفية خطأ يحدث ويواجه بالنقد واللجوء للقضاء، ويعترف بأن هناك من حمل السلاح حتى يقتل بناء على الهوية.

تقترب الانتخابات البرلمانية في العراق، والمراقب يلاحظ أن القوائم الانتخابية تجنبت رفع شعارات طائفية. يؤكد الجبوري في هذا السياق أن الخطاب الطائفي لم يعد له سوقا رائجا في العراق.

سألت الجبوري مباشرة إن كان يرغب في العودة لرئاسة البرلمان، فلم يتردد لحظة من الإعلان بأنه يرغب بذلك، مضيفا "عودتي ليست متوقفة على رغبتي وإرادتي، وإنما متوقفة على تفاهمات أخرى"، وقادني هذا السؤال لأمضي في طرح سؤال فج: وهل عودتكم لرئاسة البرلمان قرار عراقي تحكمه اعتبارات وطنية أم تحدده القوى الإقليمية والدولية؟

ودون لف ومواربة يجيب الجبوري "لا بد أن نعترف؛ لا زال هناك مساحة من التأثير الخارجي على صناعة القرار الداخلي وعملية تشكيل الحكومات وتسلم المناصب في العراق".

أكثر سؤال يطرح الآن في العراق من سيرأس الحكومة، ومن سيتسلم رئاسة الجمهورية، وما هو مصير رئاسة البرلمان؟ وتزداد هذه الأسئلة المقلقة وسط تشظي وانقسامات القوائم حتى المذهبية وتنافسها على الزعامة، ولهذا يعتقد الجبوري بأنه لا توجد قوة منفردة في البرلمان المقبل، أو كتلة أغلبية، وجميع القوائم ستضطر للتفاهم مع آخرين.

وعلى الرغم من حالة الاحتراب والصراع، فإن المحاصصة الطائفية في توزيع "الرئاسات الثلاث" الجمهورية، الحكومة، والبرلمان، لن تمس على الأرجح، مع أن هناك كلام شائع بوجود توجه للتبادل بين السنة والأكراد في رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية، ويعلق الرئيس الجبوري بالقول "علينا أن نعترف بأن تجاوز هذه القواعد السياسية لم ينضج، وليس سهلا أن يذهب موقع رئيس الوزراء خارج المكون الشيعي".

الهاجس الذي ظل يشغلني طوال إقامتي في العراق ماذا تغير منذ سقوط نظام صدام حسين وولادة نظام جديد؟

كنت أسمع من يقول لي من العراقيين الذين التقيتهم في بغداد، ما حدث هو سقوط ديكتاتور ويقصد "صدام حسين"، وجاء بدلا منه في الحكم مجموعة من الديكتاتوريين والطائفيين معا.

مساحة واسعة من الديمقراطية تحققت بعد عام 2003 وكثير من الأموال التي أنفقت ذهبت لجيوب الفاسدين

لم يفاجئ هذا الكلام الجبوري ولم يغضبه ويقول مدافعا "هناك مساحة واسعة من الديمقراطية تحققت وترسخ البناء الديمقراطي وأصبحت آليات الرقابة واضحة وثابتة، وبالتأكيد هناك سلبيات مثل الفساد والإرهاب الذي واجهنا وأعاقنا عن التقدم".

ولكني أعود لأسأل، ولكن هل تعلم أن هناك من يترحم على الرئيس العراقي صدام حسين الآن؟

بدبلوماسية وهدوء يجيب الجبوري "كل واحد يمر بظرف معين، ويجد أن ما كان عليه أفضل مما هو عليه الآن، وبطبيعة الحال يحن لأيام مضت، خاصة حين يشعر أنه لا يوجد تغير نحو الأفضل".

الزائر إلى بغداد لا يلمس أن هناك إعمارا وتنمية قد حدثت منذ مجيء الحكم الجديد، ومع مضي 15 عاما يصبح السؤال واجبا... لماذا لم يتغير شيء؟

اقرأ للكاتب أيضا: القمم العربية... من لاءات الخرطوم إلى توسل إسرائيل لقبول السلام

يلخص رئيس مجلس النواب الإجابة بالقول "الجميع يعلم بأننا مررنا بفترة مواجهة للإرهاب وكان الهاجس التركيز على البعد الأمني، وللأسف فإن هناك أموالا كثيرة أنفقت وقد تكون ذهبت لجيوب الفاسدين، وبعضهم يتبوأ عناوين بارزة في صناعة القرار".

هواجس ما بعد يوم الانتخابات في العراق كثيرة، عدا عن توزيع المناصب السياسية وتشكيل الحكومة التي يتوقع أن تدخل بمخاض صعب.

ومع ذلك تبدو الأمور واضحة وجلية في عقل الجبوري رغم تشابكها وتعقدها، فهو يبدأ من تمتين الجبهة الداخلية، وأول العلاج "كي" وقطع دابر الطائفية التي اجتاحت العراق، ولا يقبل بسلاح خارج يد الدولة. أما عربيا وإقليميا فيرى أن يتحرك العراق والقاعدة التي تحكم تحركه النأي بنفسه عن الخلافات والمحاور، أما داخليا فيعود للمطالبة بمواجهة الفساد المالي والإداري، والاهتمام بملف النازحين، وإعطاء الأولوية للإعمار والتنمية.

السؤال الأخير: هل يعود الجبوري رئيسا رغم مزاحمة "المكون السني" له على الزعامة؟ في كل الأحوال فإن المؤكد أنه سيظل لاعبا سياسيا رئيسيا في العراق مهما تغيرت المواقع والأدوار.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG