Accessibility links

'أبي غادر ولم يفكر بمصيري'.. أطفال الشوارع في بغداد


أطفال مشردون في العراق - أرشيف

بغداد – دعاء يوسف

في سوق البياع الشعبي جنوب غرب العاصمة العراقية بغداد، يجلس الطفل علاء كريم على الرصيف، يرقب من بعيد خطوات المارة، ويسعى أحيانا خلف المتبضعين من محال الخضار والفواكه.

وجد علاء الذي يبلغ من العمر تسعة أعوام، نفسه يعيش في بيت متهالك في الأحياء العشوائية بمنطقة الصابيات في أطراف بغداد بعدما انفصل والداه عام 2011 من دون القيام بإجراءات طلاق رسمية.

يقول عن والده: "تركنا، رغم بكاء أمي وتوسلاتها الكثيرة. غادر دون أن يفكر بمصيري".

ومثل الكثيرين من الذين يسكنون في الأحياء العشوائية، كان علاء يعاني من الفقر والحاجة والعوز، "لا معيل لنا. لقد كنا نعتمد ولأيام طويلة على مساعدات الناس".

"لا أفكر بالدراسة ولا أحبها"

لا يتذكر علاء اليوم الأول الذي اضطر فيه إلى العمل. كانت والدته تصطحبه معها إلى البيوت التي تخدم فيها. يقول: "أمي تعمل في الخدمة بالبيوت. ولكن ما تحصل عليه من مال لا يكفينا. لذا، كانت تدفعني إلى بيع عبوات المياه على الرصيف أو الأكياس في الأسواق".

لكن علاء لا يعتمد على بيع المياه والأكياس فقط، لأن ما يحصل عليه منها لا يسد ما ينفقه يوميا للعودة إلى بيته، ولهذا السبب يلجأ إلى طلب المال من المارة بين الحين والآخر، رغم نفيه أنه يتسول.

الطفل العراقي علاء كريم
الطفل العراقي علاء كريم

ويضيف الطفل: "لم أدرس يوما... ولا أفكر بالدراسة ولا أحبها.. بماذا تفيدني الشهادة الدراسية أو الجامعية؟".

"أجمع الكثير من المال"

حال علاء لا يختلف عن حال محمد شاكر (سبعة أعوام) الذي اضطر والده إلى اصطحابه للعمل معه في بيع الخضار بسوق البياع أيضا.

يقول محمد وهو يقوم بتقشير الباقلاء الخضراء: "أعمل في بيع الخضار من السادسة صباحا وحتى الخامسة عصرا".

ويضيف الطفل الذي لم تتاح له فرصة الالتحاق بالدراسة: "أبي لا يقوى على دفع إيجار البيت الذي نسكن فيه، لذا أساعده في توفير لقمة العيش".

ويشير إلى أنه يحب الذهاب إلى المدرسة مثل بقية الأولاد، "لكن أبي يرفض ذلك ويخبرني أنني أجمع الكثير من المال الذي أحصل عليه من الناس حتى وإن لم يشتروا شيئا مني".

الطفل العراقي محمد شاكر
الطفل العراقي محمد شاكر

ويعتقد والد شاكر أن المدرسة لن توفر لأطفاله قوت يومهم ولا مصاريفهم الشخصية.

ويقول إن "الحياة صعبة. قد أموت بانفجار إرهابي كما حدث ويحدث لغيري. لذا فمن غير المعقول ألا أدفع ابني إلى الاعتماد على نفسه".

أداة للتسول والجريمة

يحذر نشطاء في منظمات غير حكومية من استغلال الأطفال الذين يعملون على بيع السلع الرخيصة في الشوارع والأسواق للتمويه عن امتهانهم التسول.

تقول جنان مبارك، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل: "هؤلاء الأطفال يتعرضون إلى التخويف والمساومة والاستغلال من قبل عصابات تستخدمهم كأداة للتسول والجريمة".

وعزت عدم التحاق هؤلاء الأطفال بالمدارس إلى "ضعف تطبيق قانون التعليم الإلزامي وكذلك القوانين القضائية والإنسانية اللازمة للحد من هذه الظاهرة مع استمرار الإرهاب والنزوح والهجرة، فضلا عن البطالة وقلة فرص العمل والأوضاع الأمنية والسياسية والاجتماعية غير المستقرة بالبلاد".

وتشير مبارك إلى أن كلا من الحكومة والمنظمات غير الحكومية "معنيون بوقف تزايد أعداد أطفال الشوارع الذين دفعت الظروف الكثيرين منهم إلى ارتكاب جرائم سرقة واحتيال وغير ذلك من التورط بالإرهاب".

وتابعت "نعكف الآن على إعداد خطة عمل نضغط من خلالها على الحكومة والجهات المسؤولة للدفاع عن هؤلاء الأطفال وانتشالهم من الضياع".

وأضافت أن "هناك ضوابط حكومية ومساعي لمنظمات غير حكومية لمواجهة هذه الظاهرة، وما يحدث في الواقع أن هؤلاء الأطفال يوهمون المارة بأنهم يبيعون السلع، ولكنهم في الحقيقة يحملون هذه السلع للتسول حتى لا يتم إبعادهم عن الشارع أو السوق من قبل أي جهة".

إعانات مالية

ويعترف الناطق باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عمار منعم بأن الوزارة أدرجت ملف أطفال الشوارع ضمن مسببات الفقر والبطالة.

ويقول إن "المشكلة بالأساس تتعلق بنسب الفقر التي تزيد عن 30 بالمئة"، مضيفا أن عدد هؤلاء الأطفال ارتفع خاصة بعد ظهور داعش عام 2014.

ويضيف أن "الوزارة تواجه العديد من التحديات المتعلقة بملف أطفال الشوارع، أهمها أن ذويهم، يرفضون محاولاتنا للتدخل أو مساعدتهم بسبب حصولهم على مردودات مالية لا بأس بها من عملهم، وخاصة أن هناك شبكات منظمة وخارجة عن القانون تدير ملف عمل الأطفال وتسولهم".

وتسعى الوزارة الآن للعمل على برنامج اختياري بالتعاون مع كل من وزارة التخطيط والصحة والتربية ومنظمة اليونيسف، من خلال إطلاق إعانات مالية تمنح إلى أهالي وأولياء أمور هؤلاء الأطفال وفق شروط وضوابط منها عودتهم إلى الدراسة بعيدا عن العمل والتسول".

في هذه الأثناء، يواصل أطفال الشوارع التنقل في الشوارع، بين السيارات وإشارات حاملين قناني الماء وعلب المناديل، همهم الحصول على ما يسد رمقهم.

"أنا لا أتعمد استجداء المال أو التسول، لكن الكثير من الناس اعتادوا على مساعدتنا من دون التفكير بشراء أي شيء منا" يقول الطفل علاء كريم.

خاص بموقعي الحرة/ ارفع صوتك

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG