Accessibility links

هل توجد تجارة رقيق في السودان؟


النواب السودانيون يناقشون موازنة العام 2016 (أرشيف)

بقلم بابكر فيصل بابكر/

أثار حديث أدلى به أحد أعضاء المجلس التشريعي بولاية الخرطوم خلال مناقشة تقرير وزارة التنمية الاجتماعية مؤخرا جدلا كبيرا في الأوساط السودانية، حيث انتقد النائب بارود صندل تخصيص بند في مصارف الزكاة يسمى "في الرقاب" وقال إن ذلك يشير إلى وجود رقيق في ولاية الخرطوم.

وقرأ صندل مقتطف من تقرير الوزارة يوضح أنها "استهدفت تحرير 32 ألفا و420 شخصا" من هؤلاء الرقيق وأضاف ساخرا: "والذين تم تحريرهم 39 ألفا و230 يعني ذلك أنهم أكثر من المستهدفين"، وشكك في قنوات صرف أموال الزكاة التي وصفها بالضخمة.

ديوان الزكاة السوداني هو مؤسسة حكومية تتبع لوزارة التنمية الاجتماعية، هدفها تكريس ولاية الدولة في جباية وتوزيع أموال الزكاة بحسب مصارفها التي حددها القرآن، وبالتالي فإن ممارسة الديوان لعمله وفق القوانين التي تحكم نشاطه يعكس إقرارا ضمنيا من الدولة بمشروعية ذلك العمل.

لا يستبعد أن يكون تقرير الوزارة قد تعمد التغطية على فساد في توزيع الأموال من قبل ديوان الزكاة

وإذا افترضنا جدلا صدق المعلومات الواردة في تقرير الوزارة حول صرف أموال الزكاة لتحرير العدد المذكور من الرقيق في الخرطوم، فإن ذلك يمثل إدانة للحكومة السودانية، حيث أن تلك الممارسة قد ألغيت رسميا منذ العام 1924عندما سن الإنكليز، الذين كانوا يستعمرون السودان، قانونا يقضي بتحريم وتجريم تجارة الرق؛ فكيف إذن تسمح الحكومة لمؤسسة تتبع لها بصرف أموال المواطنين على ممارسة محظورة قانونيا؟

إن مصاريف الزكاة في الإسلام قد حددتها الآية 60 من سورة التوبة "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم".

اقرأ للكاتب أيضا: حول حادثة جلد سودانية تزوجت دون موافقة أبيها

ومعلوم أن بند "في الرقاب" من مصارف الزكاة، كما يعرفه الفقهاء، يشمل ثلاث فئات من الناس: أولها مكاتب اشترى نفسه من سيده بدراهم مؤجلة في ذمته، فيعطى من مال الزكاة ما يوفي به سيده، وثانيها رقيق مملوك تم شراؤه من الزكاة ليعتق، وثالثها مسلم أسير لدى الكفار فيعطى الكفار من الزكاة ليفكوا أسره.

وهناك من بين الفقهاء من أجاز دفع مال الزكاة لتحرير المسلم المختطف، فإذا اختطف كافر أو مسلم أحد من المسلمين فيمكن أن يفدى هذا المختطف بشيء من الزكاة، لأن العلة واحدة، وهي فكاك المسلم من الأسر.

وبما أنه لم ترد أية أخبار عن أسر أو اختطاف أكثر من ثلاثين ألف شخص من سكان الخرطوم بواسطة الكفار أو غيرهم فإن من المنطقي القول بأن هؤلاء الأشخاص المذكورين في تقرير وزارة الرعاية الاجتماعية هم بالضرورة من الرقيق المكاتبين أو المملوكين، وهو ما يعني أن تجارة الرقيق في السودان ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا وبمباركة الحكومة.

الافتراض المنطقي الثاني، في حال استبعاد موضوع تحرير الرقيق، هو وجود تزوير متعمد في تقرير الوزارة من أجل إخفاء مبالغ سرقت من أموال الزكاة وتم التغطية عليها بتحويلها على بند "في الرقاب"، وهذا الأمر يعززه التناقض الوارد في التقرير بين أعداد الأشخاص التي استهدفوا بالتحرير من الرق والأخرى التي تم تحريرهم بالفعل، حيث أورد التقرير أن أعداد الذين تم تحريرهم أكبر من أعداد المستهدفين أصلا.

ولا يستبعد أن يكون تقرير الوزارة قد تعمد التغطية على فساد في توزيع الأموال من قبل ديوان الزكاة، فقد شهدت السنوات الأخيرة قضايا فساد شبيهة مرتبطة بسرقة أموال بعثات الحج والعمرة والأوقاف وتورط فيها وزير سابق ومسؤولين كبار في وزارة الإرشاد والأوقاف.

عندما تكون شرعية السلطة مستمدة من الشعارات الدينية فإنها تمنح أصحابها صلاحيات مطلقة وحصانة كاملة ضد المحاسبة والمساءلة

في هذا الإطار يتداعى إلى الذهن سؤال بسيط: لماذا لم نسمع طوال تاريخ الحكم الوطني بشبهة فساد تتعلق بالوزارات والمؤسسات المرتبطة بإدارة الشؤون الدينية بينما أموالها تنهب في ظل الحكم الإسلاموي الذي ادعى أنه جاء أساسا لترسيخ وتعزيز القيم الإسلامية؟

إن الإجابة على السؤال أعلاه في رأيي الخاص تتعلق في المقام الأول بطبيعة السلطة وليس طبائع البشر؛ فالبشر هم البشر في كل زمان ومكان، فيهم الصالح والطالح، منهم الذين يعتنقون أديانا وفيهم من ليس له دين، ولكن نوع السلطة هو الذي يحدد درجة الفساد، وفي إطار الحكم الاستبدادي لن تجدي الشعارات مهما كانت براقة ومنسوبة للدين في تحجيم ذلك الفساد أو التخلص منه.

اقرأ للكاتب أيضا: حد الردة: عشرة مسلمين يعتنقون المسيحية في السودان

وعندما تكون شرعية السلطة مستمدة من الشعارات الدينية فإنها تمنح أصحابها صلاحيات مطلقة وحصانة كاملة ضد المحاسبة والمساءلة. إن الحديث المجرد عن قيم الدين لا يكفي لمنع الفساد، بل يتم منعه عبر تحجيم السلطة ووضع أسس لتداولها، وكبح جماحها عبر سلطتي الرقابة والقضاء، مضافا إليهما الإعلام والرأي العام، وهو الأمر الذي نجح فيه النظام الديمقراطي أكثر من أية نظام حكم آخر.

إن الكوابح الشخصية الداخلية مثل الضمير والتقوى والخوف من الله التي يعول عليها أصحاب المشروع الإسلاموي لم تك تكفي وحدها لمنع الانحراف والفساد، بل كان يتوجب أن يضاف إليها كوابح خارجية موضوعية مثل النظم واللوائح والقوانين تعمل على ضمان ضبط ذلك الانحراف، ولكن الأخيرة تم تحطيمها في إطار حملة التمكين التي شملت الخدمة المدنية والجهاز البيروقراطي بحجة أنها من موروثات الاستعمار.

تقرير وزارة التنمية الاجتماعية وضع الحكومة الإسلاموية في مكانة لا تحسد عليها، فإن هي اعترفت بوجود رقيق تم تحريرهم من أموال الزكاة تكون قد أدانت نفسها أمام شعبها وأمام العالم، وإن هي قالت بأن الأموال تمت سرقتها ولم تبذل في مصارفها الصحيحة تكون قد فضحت الفساد الذي استشرى في الوزارات وأجهزة الدولة المختلفة وعلى وجه الخصوص المؤسسات المرتبطة بتنظيم وتطبيق الشعائر الدينية.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG