Accessibility links

هل هو إسلام ضد الإسلام فعلا؟


تظاهرة لسلفيين - أرشيف

بقلم مالك العثامنة

لا تحتاج في العالم العربي إلى مصلحين برتبة ثوار للخروج من عنق الزجاجة التاريخي وهو العنق الأطول في تاريخ الإنسانية. كل ما هو تحتاجه ثورة ذاتية و شجاعة لتشغيل العقل و تحريره و جعله قادرا على الاستجابة لتكسير التابوهات.. فقط لا أكثر.

تلك التابوهات الأشبه بدائرة طباشير مرسومة حول الإنسان، و يتم تعليمه منذ أول تفتح الإدراك لديه أن خط الطباشير حوله وعي مطلق و لا وعي بعده.

أذكر في دراستي الجامعية الأولى، أنني شعرت باللذة المصاحبة للدهشة و قليل من الرعب وأنا أتصفح كتبا كانت "ممنوعات" في محيطي الشخصي، و أذكر حجم تلك اللذة وأنا أقرأ مقالات الليبي الراحل الصادق النيهوم مثلا، في سلسلة صدمات فكرية واعية نشرتها له مجلة الناقد التي كان يصدرها رياض نجيب الريس، أو في قراءة واقعية مغايرة كانت أشبه بمطرقة صغيرة تهشم كل الموروث الكلسي المتحجر في عقلي وأنا أبحر في عالم محمد عابد الجابري وهو يفكك "عقلي الموروث" العقل السياسي العربي، أو حليم بركات في تحليله للمجتمع العربي المعاصر، ثم تدرجت القراءات عبر السنوات، و في كل قراءة كانت هناك إضاءة جديدة بحجم خرافي تتناسب طرديا مع حجم الفرح باكتساب المعرفة.

تلك الخطوة الشجاعة والبسيطة و الأقل تكاليفا من كل موازنات برامج "مكافحة الإرهاب" ، هي مكافحة إرهاب بحد ذاتها.

وفي سياق الحديث عن الصادق النيهوم، أتذكر عنوان أحد كتبه والذي أرى فيه تلخيصا لكل الحالة اليوم، كتابه كان تحت عنوان "إسلام ضد الإسلام"!!

نعم، هو إسلام ضد الإسلام نفسه، إسلام سياسي متوارث لم ينقطع تواتره منذ ألف عام وأكثر، إسلام يحمل طباعه الصحراوية متقوقعا على نفسه وبحيلة التقديس نصب حول نفسه و حول "مؤمنيه" قبة فولاذية ترفض الاندماج مع الغير، بل وتلغي كل "غير" و تقصيه.

هو إسلام ضد الإسلام نفسه، بمعنى السلام الإنساني الشامل، و هو إسلام سياسي منذ مشروع مفاوضات الحل النهائي في السقيفة والتي لم تنته حتى اليوم.

أخي الإنسان، المتوهم بأفضليته على العالم بسبب قناعاته فقط، أنت حين تحدثني عن "إسلام معتدل" فأنت تحتال على نفسك قبل أن تحتال على العالم، فالإسلام المعتدل يصبح حيلة غير موفقة أمام فقه شرعي "هو نفسه موضوع من بشر"، ومتراكم منذ ألف عام أسبغ عليه أصحابه وناشروه صفة "المقدس" فصار لا يمس ولا يمكن الجدل حوله، وبقبولك بكل هذا التراكم التاريخي وخوفك "كمسلم معتدل وتقي" فلا بد أن تنتهي بنتيجة أن تصبح عقيدة دموي مثل بن لادن او الظواهري أو الزرقاوي أو البغدادي هي الإسلام الصحيح، وحين ترفض تلك الفكرة، فأنت تتعثر أمام ذاتك "التقية والخائفة والمرتعبة" من إدانة هؤلاء، إو الإقرار بأن مختلا مثل وارث فقه ابن تيمية " المتعصب "محمد بن عبدالوهاب" ليس شيخا ولا عالما و كل فقهه ليس إلا انعكاس لاضطرابات نفسية من المؤسف أن الطب النفسي لم يكن متقدما كفاية حينها لعلاج مضاعفاته.

أو حتى إعادة قراءة كتابات ابن تيمية التي كان يمكن تصنيفها تحت السياسة لا الدين، وقد وضع كل فتاويه حينها والتي كفر فيها كوكب الأرض لغايات سياسية بحتة مرتبطة بالسلطات الحاكمة آنذاك، يعني ببساطة فتاوي مكيافيلة سبق بها مكيافيلي نفسه.

لكي لا يقف الإسلام ضد الإسلام، فهو بحاجة إلى مراجعة ذاتية كبيرة، إعادة تقييم ليست جديدة بدأها مصلحون و توارى صوتهم خلف رعب حد الردة. فهو مفهوم فضفاض واسع، يمكن لأي نصف أمي و جاهل أن يلوح به تحت عمامة الفقيه العالم، وتلك خطوة واحدة لكن كبيرة في عملية الاندماج بهذا الكوكب ومع باقي الإنسانية.

أقرأ ما تتوارده الأخبار والتقارير خلف تلك الأخبار، برعب مما وصل الواقع الراهن إليه من انحطاط في الوعي، وأتتبع ما يرشح من معلومات عن مجرمي الإرهاب المعاصر، وهو في حقيقته ليس إلا امتداد لإرهاب تاريخي بدأ منذ طعن عبدالرحمن بن ملجم بخنجره المنقوع في السم ثلاثين يوما، صدر علي ابن أبي طالب و قاتل "أمير المؤمنين" يصرخ: "إن الحكم لله". فالرجل قام بعمليته الإرهابية مؤمنا إيمانا أعمى بصحة "عقيدته"، واليوم وباتصال لم ينقطع في خيط الدم هذا منذ ابن ملجم تقرأ في ملابسات آخر عملية لتجد أن الشاب الحدث الذي ارتكبها في برشلونة لم يكن "ملتزما" بطقوس الدين وكان يرتاد الحانات كأي شاب طبيعي في عمره، لكن خللا ما في بنية تفكيره جعلته يؤمن أنه معصوم من العقوبة الإلهية و أن الطريق إلى الجنة مرصوف بدماء "الآخرين"، تلك الفكرة الإقصائية الراسخة في اللاوعي الجمعي لملايين من البشر بأنهم الفئة الناجية بالمطلق لأنهم "المؤمنون الوحيدون"، تلك الفكرة العمياء التي لو تفكرنا بها قليلا، قليلا فقط بروح العقل الإنساني لا بمنطق الإيمان الأعمى لسقطت يابسة بدون مقاومة.

لماذا لا تتم مراجعة تاريخية غير خاضعة لأي مقدس؟ قراءة ذاتية في هذا التواتر الدموي منذ ألف عام لقطعه عن حاضرنا و مستقبلنا وقد صارا رهينة للماضي، قطعا واعيا لا قطيعة تاريخية بل شروع في وعي للذات عبر التاريخ نفسه، فنصل إلى مرحلة يمكن فيها أن نتفهم مثلا، أن التشريعات القانونية الأخيرة في تونس تشريعات إنسانية أفرزها مجتمع يرغب بملامسة ضفاف الوعي، ولا نجد كاتبا في صحيفة مصرية يدعو علنا وباسم كل مقدس في عتمة وعيه إلى حروب ردة على تونس وأهلها. مراجعة تاريخية نعيد ترتيب الوعي فيها، و نتخلص من تشويش "العتمة" فندرك أن الدين – أي دين- هو لله، وان هذا الكوكب لكل كائناته التي تعيش عليه.

--------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG