Accessibility links

إنه "سلام بارد" مع إسرائيل؛ مصر تحظر التطبيع الكامل


الرئيس المصري ورئيس الحكومة الإسرائيلي في نيويورك عام 2017 (أ ف ب)

بقلم هيثم حسنين/

في 26 آذار/مارس 1979، وقعت مصر وإسرائيل معاهدة سلام برعاية الولايات المتحدة، غير أن العلاقات الثنائية وصفت منذ ذلك الحين بـ "السلام البارد". فقد تبادل البلدان السفراء لفترة دامت أربعة عقود تقريبا فضلا عن التنسيق بينهما في مجالي الأمن والحدود، ولكن "التطبيع" الكامل لم يحدث قط.

وفي حين أن نسبة السياح الإسرائيليين في مصر قد ارتفعت بشكل كبير خلال فترات الهدوء، إلا أن أعداد السياح المصريين الوافدين إلى إسرائيل بقيت ضئيلة، ويعود ذلك جزئيا إلى أن المصريين الذين يزورون إسرائيل معرضون لمضايقات أجهزة الأمن المصرية. كما أن التبادلات الثقافية بين البلدين هي الأخرى محدودة للغاية: الفنانون والأكاديميون المصريون يقاطعون إسرائيل، والمصريون الذين سافروا إلى إسرائيل على الرغم من المقاطعة غالبا ما واجهوا إدانات شاجبة عند عودتهم إلى بلادهم.

بالإضافة إلى ذلك، غالبا ما كانت إسرائيل هدفا للاحتجاجات داخل مصر وموضوعا دائما لنظريات المؤامرة، ما جعل أي تفاعل رفيع المستوى بين الإسرائيليين والمصريين محفوفا بالمخاطر السياسية على المسؤولين المصريين.

تلقين عقيدة الكراهية التي تتناقل للأسف من جيل إلى آخر يعيق فرص تحقيق السلام الحقيقي

وتجلى هذا الأمر من الانتقادات داخل مصر بعد أن تم تصوير وزير الخارجية المصري سامح شكري وهو يشاهد مباراة لكرة القدم برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال لقاء جمعهما في القدس في تموز/يوليو 2016، وعندما تم تصوير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وهو يضحك برفقة نتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2017.

اقرأ للكاتب أيضا: إلى الرئيس ترامب: عليك إدانة هذه الانتخابات المصرية المزيفة

وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الناشطين المصريين الذين حفزوا انطلاق "الربيع العربي" في كانون الثاني/يناير 2011 استهلوا مسيرتهم السياسية من خلال المشاركة في الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية (بين عامي 2000 و2004). وبالفعل، يدرك الزعماء المصريون جيدا أن التظاهرات ضد إسرائيل يمكن أن تتحول بسرعة إلى تظاهرات ضد أولئك الذين يتعاملون مع إسرائيل.

والأكثر من ذلك دأبت الحكومة المصرية على ثني المصريين عن السفر إلى إسرائيل. فقد بررت مصر غياب السياح المصريين في إسرائيل إلى افتقار الأخيرة إلى عوامل الجذب الكافية: فإسرائيل لا تملك شيئا يستحق المشاهدة بالمقارنة مع شواطئ مصر الجميلة والعديد من مواقعها الأثرية المثيرة للاهتمام. ومع ذلك، يؤكد آخرون أنه لو فتحت الأبواب مع إسرائيل لرأى المصريون العاديون حقيقة الواقع الإسرائيلي، ولتدفق آلاف الأشخاص العاطلين عن العمل إلى إسرائيل كونها أقرب من إيطاليا وفرنسا.

والخلاصة بكل بساطة هي أن المواطن المصري العادي لا يستطيع السفر إلى إسرائيل، إذ تحد الحكومة المصرية من خلال قيودها وضوابطها إمكانية السفر لإسرائيل بالدبلوماسيين والصحفيين والحجاج الأقباط الذين يريدون زيارة الأماكن المقدسة المسيحية في القدس، شرط أن يكونوا قد تجاوزوا سن الأربعين.

الحكومة المصرية نفسها تشكل أحد أكبر العراقيل التي تقف أمام التطبيع الكامل، فهي لا تزال تلقي الخطابات المعادية لإسرائيل

وبالنتيجة، فمع أن التعاون الأمني بين البلدين قد تحسن خلال السنوات الأخيرة، لا تزال العلاقة بين مصر وإسرائيل تعتبر بمثابة "سلام بارد". وهذا يعكس إلى حد ما استمرارية النظرة المصرية إلى إسرائيل باعتبارها عدوا، حيث أن الحروب التي خاضتها مصر ضد إسرائيل بين عامي 1948 و1973 تحظى باهتمام أكبر من معاهدة السلام الموقعة عام 1979 في أوساط الشعب المصري.

ومثال على ذلك أن العديد من المؤسسات العامة والطرق والمدارس وحتى المدن سميت تيمنا بحرب 1973، ولكن أيا منها لا يحمل اسم المعاهدة، وهذا يعكس رفض الحكومة المصرية اطلاع شعبها على السلام مع إسرائيل.

اقرأ للكاتب أيضا: تليين عقول الجنرالات المصريين أمر أساسي لاستمرار التعاون مع إسرائيل

وثمة مثال آخر حدث في شهر كانون الثاني/يناير الماضي عندما قدم السفير الإسرائيلي في القاهرة ديفيد غوفرين احتجاجا رسميا إلى الحكومة المصرية جاء فيه أن وزارة الخارجية المصرية عقدت جلسة لإحاطة جميع البعثات الدبلوماسية علما بالوضع في سيناء بينما استثنت منها الممثلين الإسرائيليين، على الرغم من التعاون الوثيق بين جيشي البلدين في محاربة تنظيم داعش.

لذلك فإن الحكومة المصرية نفسها تشكل أحد أكبر العراقيل التي تقف أمام التطبيع الكامل، فهي لا تزال تلقي الخطابات المعادية لإسرائيل. وأبرز مثال على ذلك ما حدث خلال شهر رمضان المبارك الماضي، عندما تبلغ نسبة المشاهدة التلفزيونية في مصر ذروتها السنوية. فقد استمر أحد البرامج التلفزيونية التي ترعاها أجهزة المخابرات المصرية بشكل مباشر بتصوير اليهود والإسرائيليين بصورة مسيئة ـ كجواسيس ولصوص وقتلة وأفراد غير أخلاقيين اجتماعيا.

إن تلقين عقيدة الكراهية التي تتناقل للأسف من جيل إلى آخر يعيق فرص تحقيق السلام الحقيقي. وصحيح أن تاريخ الشرق الأوسط يروي قصة مأساوية وتحذيرية لا يجدر نسيانها، لكن ما تحتاجه المنطقة هو التقدم الفعلي. فهذه المنطقة بحاجة إلى أشخاص يرون المساهمات والخطوات الإيجابية ويدأبون على تحقيق مستقبل أكثر جماعية وشمولية.

هيثم حسنين هو زميل "غليزر" في معهد واشنطن، حيث يركز على العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG