Accessibility links

الكوميدي الذي أبكى رحيله الملايين


جيري لويس - أرشيف

بقلم رياض عصمت

لا شك أن جيري لويس، الرجل الذي أضحك الملايين، أبكى برحيله ملايين المحبين لفنه والمتابعين لأفلامه القديمة عبر محطات التلفزيون. كان جيري لويس ممثلاً كوميدياً، مؤلفاً، مغنياً، مخرجاً، منتجاً، وصاحب عطاءات إنسانية مشهودة، فقد اشتهر خلال حياته بتبرعه لجمعية مكافحة مرض ضمور العضلات، وأنقذ حياة الكثير من الأطفال، إلى أن انسحب من ذلك لأسباب لم يفصح عنها في عام 2010.

جدير بالذكر أن جيري لويس ظهر كممثل في 74 عملاً، وأخرج 23 فيلماً، وكتب 21 سيناريو. إنها حصيلة ضخمة لأسطورة في الفن السينمائي الكوميدي. تمتع جيري لويس بحضور فني خاص بين نجوم الكوميديا في الخمسينيات والستينيات، إذ تميز عن باقي الكوميديين المشاهير في عصره بوجهه الطفولي ذي الملامح المطاطية، بحيث لم يشابهه نجم أميركي من قبل سوى بوب هوب، ومن بعد سوى جيم كاري. ربما كان النجم السينمائي الكوميدي البريطاني نورمان ويزدم هو الوحيد المشابه فنياً لجيري لويس نسبياً على الطرف الآخر من المحيط الأطلسي. كلاهما سبق النجم الكوميدي الفرنسي الكهل ذي الحركات المبالغة لوي دو فونيس، وكذلك النجم الأميركي مِل بروكس. تزوج جيري لويس مرتين خلال حياته، الأولى بين عامي 1944- 1980 من باتي بالمر، التي ربت معها ستة أبناء، توفي أحدهم انتحاراً في عام 2009. أما الثانية فهي ساندي بيتنيك، التي تزوجها في عام 1983 وتبنيا معاً ابنة وحيدة، وظلا مع بعضهما حتى وفاته في لاس فيغاس نتيجة أسباب طبيعية وهو في عمر 91 عاماً.

ولد جيري لويس ابنا وحيدا لعائلة فنية مقيمة في نيوجرسي عام 1926، إذ كان والده ممثل فودفيل ووالدته عازفة بيانو. منذ سن الخامسة من عمره، شارك والديه عروضهما مستقطباً ضحك الجمهور وتصفيقه، مما قاده إلى أن يحترف الفن في سن مبكرة جداً. لم يسمح له تجوال والديه أن يعيش حياة مستقرة أو يتابع دراسته على ما يرام، فتنقل بين بيوت الأقارب، وترك المدرسة، ليجد فرصة للظهور على المسرح وجني المال. شاء حسن الحظ أن يلتقي بالمغني دين مارتن بمحض الصدفة لتنعقد أواصر صداقة وشراكة فنية بين الاثنين طيلة عشر سنوات بدءاً من عام 1946، ليشكلا ثنائياً سينمائياً وتلفزيونياً حظي بشعبية واسعة في الولايات المتحدة والعالم أجمع، سرعان ما صار منافساً لشهرة الثنائي الكوميدي آبوت وكوستيللو في الخمسينيات. هكذا، ظهر جيري ومارتن في برنامج تلفزيوني مدته ساعة تحت رعاية شركة "كولغيت" بين عامي (1950-1955)، قاما خلاله بكثير من الارتجال الكوميدي والغناء، وجذبا إعجاب ملايين المشاهدين. كما ظهر الثنائي لويس ومارتن في 14 فيلماً سينمائياً خلال 7 سنوات فقط، نالت جميعاً نجاحاً جماهيرياً وحققت أرباحاً طائلة، إلى أن دبَّ بين الشريكين خلاف مجهول الأسباب أدى إلى انفصالهما، فتابع جيري لويس لوحده منذ عام 1957، وكذلك فعل دين مارتن كنجم سينمائي ومغنٍ لامع.

ما زالت بعض محطات التلفزيون الأميركية تعيد بث أفلام جيري لويس بوفرة، سواء لوحده أم مع دين مارتن. أفلام جيري لويس كثيرة، لكن بعض العلامات المميزة منها يبقى في الذاكرة، ومنها أشهر أفلامه مع دين مارتن "فنانون وموديلات" (1955). هناك أيضاً بعض أفلامه الشهيرة بعد أن أصبح يعمل وحده، مثل "سندرفيللا" (1960)، "رجل السيدات" (1961)، "البروفسور غريب الأطوار" (1963). كذلك، لا ينسى الجمهور فيلمه الممتع مع توني كورتيس "بوينغ بوينغ" (1965)، وقد صادق جيري لويس توني كورتيس وزوجته جانيت لي، فضلاً عن صداقته مع المغني والممثل المعروف سامي ديفيز، ومعرفته الطيبة بالمخرجين ستيفن سبيلبرغ وجورج لوكاس. إذن، ليس من الغريب على الإطلاق أن نجد بين جوائز جيري لويس خلال حياته جائزة أكثر الممثلين تعاوناً مع الآخرين، إذ كان إنساناً لطيف المعشر، كريماً، ودوداً، وصاحب كرم إنساني معروف.

مع انتهاء حقبة الستينيات، تناقصت شهرة جيري لويس تدريجياً، ولم يعد نجم شباك تذاكر كما كان في يفاعته وشبابه، بل صار قسم كبير من الجمهور الأميركي ينظر إليه باستخفاف كمهرج، في حين اقتصرت شهرته واحترام فنه على أوروبا وبقية أرجاء العالم. بالتالي، فشلت سلسلة من الأفلام لعب بطولتها جيري لويس، لينفرد فيلم واحد فحسب كأهم نجاحاته التي أعادته إلى الأضواء وردت إليه الاعتبار، وهو فيلم "ملك الكوميديا" (1982) مع الممثل الكبير روبرت دو نيرو، ومن إخراج مارتن سكورسيزي. لكن هذا النجاح اليتيم لم يغير من الواقع شيئاً، إذ عادت أفلام جيري لويس تنال تقييمات متواضعة، وبدا واضحاً أن موضة الكوميديا التي يقدمها لويس أضحت بائدة، وأن الجمهور الأميركي يتطلع إلى نموذج آخر في فن الإضحاك، ربما كان أقرب إلى وودي ألن أو ستيف مارتن. لكن شيخوخة جيري لويس، وظهوره المتقطع في مقابلات تفزيونية أو على المسارح كضيف شرف، ثم وفاته لأسباب طبيعية، جعل ذكرى جيري لويس تُحيا من جديد كأيقونة نادرة في تاريخ السينما، لتذكر جيلاً جديداً بإنجازات فنان كبير كان ذات يوم ملك الكوميديا الأميركي بلا منازع في الخمسينيات والستينيات، بحيث أبكى فراقه للحياة ملايين البشر الذين سبق أن أضحكهم.

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG