Accessibility links

الأردن والعام 2018: ثلاثة أسباب للتشاؤم


ملك الأردن ووزير الدفاع الأميركي، أرشيف

بقلم عريب الرنتاوي/

يستقبل الأردن العام 2018، على نحو مختلف هذه المرة، وثمة أسباب ثلاثة، تسهم مجتمعةً، في رفع منسوب القلق والتحسب في مؤسسات صنع القرار والرأي العام سواء بسواء:

السبب الأول، يتعلق بحالة "انعدام اليقين" التي تميّز علاقات الأردن الثنائية، بأهم حليفين استراتيجيين له، الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، مثل هذا الوضع غير مسبوق، منذ أزيد من ربع قرن، عندما وقف الأردن في "أزمة الكويت" ضد "الخيار العسكري"، ورفض الانضمام إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق إثر غزوه للكويت، عندها، بلغت علاقات الأردن بالولايات المتحدة، واحدة من أدنى مستوياتها، وخضع الميناء البحري الأردني الوحيد: العقبة، لنظام رقابة وتفتيش دولي صارم. وتأزمت علاقات عمان مع جميع عواصم الخليج العربية، باستثناء مسقط، وتعرض نظام المساعدات والمنح الذي اعتاده الأردن واعتمد عليه مطولا، لأكبر عملية اهتزاز في تاريخه الحديث، في الوقت الذي تعين فيه على البلاد، استقبال ما يقرب من نصف مليون أردني عائد من دول الخليج، فضلا عن مئات ألوف اللاجئين العراقيين والعرب الذين غادروا العراق والكويت.

ولم يكن تجاوز هذا "القطوع" أمرا ممكنا إلا بعد مضي ما يقرب من أربعة أعوام، عندما أقدم الأردن على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل في العام 1994، لتعاود العلاقات الأردنية – الأميركية مسارها الطبيعي، وليجري بعدها، تطبيع متدرج للعلاقات الأردنية الخليجية.

اليوم يخيم شبح تلك السنوات على صناع القرار في الدولة. فدول الخليج أظهرت ضيقا ملحوظا باستمرار ضخ المزيد من المساعدات للأردن، وعمان تتحسب في أسوأ كوابيسها، لسيناريو "ترحيل" عاملين أردنيين في السعودية ودول الخليج، وهؤلاء يبلغ تعدادهم قرابة 800 ألف أردني، يحولون ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنويا لاقتصاد بلدهم الضعيف أيضا.

لقد تكشفت "أزمة القدس" المترتبة على قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب عن "شرخ" في العلاقات القائمة بين عمان وعدد من العواصم الخليجية، وفي مقدمتها الرياض، إذ أظهرت الأخيرة اكتراثا أقل بهذا الملف، وتحدثت المصادر الإعلامية عن "تفهم"، وأحيانا "تساوق" سعودي مع خطة الرئيس ترامب لحل القضية الفلسطينية، كما أن الأنباء عن قيام السعودية بإجراء اتصالات مباشرة مع إسرائيل، تثير مخاوف في عمان من مغبة فقدان الأردن لدوره التقليدي في ساحة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وكقناة خلفية للتواصل بين دول الخليج وإسرائيل. وزاد الأمر تعقيدا وإثارة للقلق، أن الرياض لم تضع عمان في صورة اتصالاتها الأميركية والإسرائيلية حول هذه العناوين.

أما الولايات المتحدة، الداعم الأكبر للاقتصاد والجيش الأردني، بحجم مساعدة يقدر بحوالي المليار و200 مليون دولار للعام المقبل، فهي الحليف الاستراتيجي للأردن في مجال الأمن والدفاع كذلك، وتشكل العلاقة مع الولايات المتحدة، واحدة من أهم "شبكات الأمان" التي يعتمد عليها الأردن في حفظ أمنه واستقراره وسيادته، في إقليم مضطرب، وبين دول إقليمية كبيرة، طامعة وتدخلية.

عمّان من جانبها، تحرص على عدم إثارة المزيد من المخاوف حول علاقاتها مع حليفتيها الكبريين، واشنطن والرياض، وفي الوقت الذي تبدو فيه مؤسسات صنع القرار "أكثر اطمئنانا" لديمومة العلاقة مع الولايات المتحدة، بحكم الروابط والمصالح المتشعبة بين البلدين، إلا أنها تعجز عن إخفاء مشاعر القلق حيال مستقبل العلاقة مع السعودية، لاسيما وأن جميع التطمينات حول "سلامة" هذه العلاقات، تصدر عن عمان، ولا يصدر عن الرياض ما يشير إلى اهتمام السعودية بطمأنة الأردن والأردنيين على "روابط الأخوة" التي تجمع البلدين الجارين.

السبب الثاني؛ ويتعلق بالعلاقة بين الأردن وإسرائيل، حيث تزداد المخاوف لدى "مؤسسة صنع القرار" والنخب السياسية والاجتماعية والإعلامية، من تنامي نفوذ تيار متطرف دينيا وقوميا في إسرائيل، "لا يقيم وزنا" لمصالح الأردن وحساباته وحساسياته، بخلاف ما كان عليه الحال منذ قيام إسرائيل، وحتى بضع سنوات خلت، حيث ظل الاعتقاد سائدا، بأن أمن الأردن جزء من أمن إسرائيل، وأن استقرار الأردن، متطلب ضروري من متطلبات "نظرية الأمن الإسرائيلية".

وقد عززت الحوادث والخلافات التي نشبت بين الجانبين مؤخرا، وتركزت في معظمها حول انسداد آفاق عملية السلام، وانتهاك إسرائيل المتكرر لقواعد "الرعاية الهاشمية" للمقدسات الإسلامية في القدس، وتفاهمات جيمس بيكر بين الجانبين (2014)، من مخاوف الأردنيين وقلقهم، لتأتي بعد ذلك "واقعة" قتل مواطنين أردنيين في سفارة إسرائيل في عمان، من قبل حارس أمن إسرائيلي، والطريقة التي استقبل بها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الحارس القاتل، لتصب مزيدا من الزيت على النار، ليتطور الأمر بعدها، إلى تهديد إسرائيل بالانسحاب من الاتفاق الخاص بقناة البحرين: الميت والأحمر، لتترك انطباعا إضافيا يعزز قناعة المتشائمين بمستقبل العلاقة بين الجانبين.

وقد بات مألوفا أن تسمع في أوساط كبار المسؤولين الأردنيين، الحاليين والسابقين، أحاديث عن مخاوف أردنية من مشاريع إسرائيلية، تستهدف حل القضية الفلسطينية في الأردن، وعلى حساب الفلسطينيين والأردنيين معا، فالسيد مروان المعشر، الناطق باسم الوفد الأردني إلى مؤتمر مدريد وأول سفير للأردن في إسرائيل، يحذر حكومة بلاده من مغبة الاطمئنان للنوايا الإسرائيلية والأميركية على حد سواء، موضحا إن إسرائيل اليوم، ليست تلك التي فاوضها الأردن قبل ربع قرن من الزمان، وأن القوى الناشئة والمتحكمة بالقرار الإسرائيلي، لا تكترث للأردن ومصالحه، ولا تريد سلاما عادلا ودائما مع الفلسطينيين والعرب، وأنها تلقى التشجيع من قبل اليمين الأميركي وإدارة الرئيس ترامب.

لقد عوّل الأردن طوال 70 عاما، على كونه يحتفظ بأطول حدود مع إسرائيل، وأن أمن الأردن واستقراره، "ذخر" لإسرائيل، أما اليوم، فيتداول الأردنيون، أقله على مستوى النخبة، بسيناريو قد تصبح معه "الفوضى الخلاقة" في الأردن، هدفا إسرائيليا، أو أقله، "فرصة" ينتظرها اليمين الإسرائيلي للتخلص من فائض الديموغرافيا الفلسطينية، وفرض حل على الأردن، بالضد من رغبته ومصالحه.

السبب الثالث يتعلق بالأزمة الاقتصادية التي تعتصر الأردن والأردنيين، مع توجه الحكومة للاستجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي، ورفع الدعم عن سلع أساسية من بينها الخبز، وفرض ضرائب جديدة وتوسيع رقعة المكلفين ضريبيا. حسابات الأزمة الاقتصادية في الأردن، باتت تتداخل مع حسابات الأمن الوطني، وبات الأردن بحاجة لتفكير اقتصادي جديد، من "خارج الصندوق" للتعامل مع معطيات "مرحلة ما بعد تآكل عائدات النفط"، ووقف المساعدات الخارجية أو تراجعها الحاد، واحتمالات عودة أعداد كبيرة من العاملين في الخارج، إن بدوافع سياسية عقابية، أو لأسباب اقتصادية، ناجمة عن انكماش العائدات النفطية وتراجع معدلات التوظيف في الاقتصادات الخليجية، أو بفعل سياسة "توطين العمالة" وإحلال العمالة الخليجية محل العمالة الوافدة.

وإذ ينضاف إلى الضائقة الاقتصادية، انحباس مسار الإصلاح السياسي في البلاد من جهة، وتفشي مظاهر التطرف والغلو في المجتمع من جهة ثانية، وصعود الهويات الفرعية وتزايد حالات العنف المجتمعي والفردي مع تنامي نسب الفقر والبطالة من جهة ثالثة، فإن من الطبيعي أن يحتفظ المراقب للمشهد الأردني، بنظرة متشائمة حيال ما يستبطنه المستقبل القريب من تحديات وتهديدات.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG