Accessibility links

الأردن.. هوية الدولة كرة في ملعب بلا حراس مرمى


لاعبو نادي الفيصلي الأردني

بقلم مالك العثامنة

لم تكن كرة القدم منفصلة عن السياسة وتداعياتها تاريخيا، ويحمل تاريخ اللعبة وتاريخ الدول أيضا كثيرا من الحكايات ذات الخلفية السياسية للعبة كرة القدم.

قد يحلو للبعض التغني بالروح الرياضية والتنافس الشريف والنزيه، وهذا غالبا صحيح، لكن الروح الرياضية كما النزاهة في التنافس، يصبحان نكتة سمجة وثقيلة أمام عصبية سياسية أو طائفية أو اجتماعية تحمل بذور عنف قد يصل إلى ذروته كجريمة ويتم تلطيف الحالة بمفهوم "شغب الملاعب"، وهو الشغب الذي تتدخل قوى أمنية مدججة بالهراوات والدروع لفضه.

نوادي كرة القدم تحمل عادة أسماء المدن التي تستقر فيها أو المناطق الجغرافية أو أسماء لها دلالات معينة، تجمع في تلك الدلالات جمهورها المتجانس لا على الفريق وحسب، بل على تلك الدلالات التي يحملها الاسم. فنادي ريال مدريد هو النادي الملكي في إسبانيا، والتيار الملكي في إسبانيا يحمل خصومة تاريخية شرسة مع التيار الانفصالي في كتالونيا وتاريخ النزاع حمل حربا شرسة بينهما استقرت في المستطيل الأخضر، وقد صار للكتالونيين ناديهم المقابل الموضوعي والتاريخي لريال مدريد، وحمل اسم مدينة برشلونة.

الزمالك والأهلي كانا أيضا انعكاسا لنزاع طبقي اجتماعي، بما يمثله الزمالك من نخبة الطبقة الوسطى والطبقة الأرستقراطية (حي الزمالك كان رمزا في القاهرة للموسرين والأثرياء)، وأمامه كان النادي الأهلي الذي يمثل باقي سكان القاهرة تحديدا ومصر عموما من المسحوقين والأحياء الشعبية.

في الأردن، كان الوحدات والفيصلي دوما الناديين المحليين الأكثر شراسة في الخصومة، وانعكاسا لحقيقة هوية الدولة الأردنية المفصومة بين هواجس القبيلة وأحلام دولة المواطنة. وصار من العادي أن يتم تصنيف أصول المواطن الأردني حسب انتمائه أو تشجيعه وحماسه لأحد الناديين، فالأردني من شرق النهر مبرمج حسب نظرية الأصول والمنابت ليكون فيصلاويا، أما الأردني من الضفة الغربية "أصول فلسطينية" فهو وحداتي.

هذا التقسيم الديموغرافي الرياضي، كان أحد أكبر تجليات ما بعد أيلول وحوادث الشغب الداخلي في مطلع سبعينيات القرن الماضي وضوحا في المجتمع الأردني الذي لا يزال يعيش أزمة الهوية رغم الدستور العصري المعدل أكثر من مرة، والتشريعات الحديثة والقديمة في القوانين الأردنية وكل محاولات نخب الحكم في الدولة، وهي محاولات صارت يائسة في السنوات العشر الأخيرة على الأقل، لتقديم الأردن كدولة عصرية مدنية تحتكم إلى المواطنة والمؤسسات (قد يكون ذلك صحيحا في مناطق محددة من عمان).

حلول الدولة التاريخية كانت متفاوتة بين سذاجة تغيير اسم نادي الوحدات إلى نادي "الضفتين" في دلالة عبثية على وحدة ضفتي النهر والمكونات الديموغرافية، أو بالحلول الأمنية التي كانت دوما تصب في مصلحة النادي الفيصلي المحكوم بشيخ عشيرة ومنصته أصلا تقسيم قبلي شرق أردني يعبر عن هوية تتجاوز المواطنة في دولة المؤسسات إلى الانتماء الجغرافي الضيق بناءً على أصول ومنابت لا أحد يعلم نقطة بدايتها ولا منتهاها أصلا، و هذا جعل النادي مدعوما بصمت "مفضوح" من قبل أجهزة الأمن بما فيها المخابرات العامة التي كانت دوما تراهن على التقسيم الديموغرافي في فرز الولاءات كمعيار أساسي في عملها.

هذا الدفع التاريخي نحو الحافة، ربما كان سببا أساسيا ومهما لتأطير نادي الوحدات وجماهيره كذلك في زاوية مقابلة خارجة عن خط دولة المؤسسات، ليصبح النادي أكثر من ناد رياضي لكرة القدم، بل ربما تيار سياسي – اجتماعي يجمع فيه الأصول الفلسطينية وتحديدا أبناء المخيمات (المخيمات التي كبرت وصارت مدنا عشوائية بخدمات مرتبكة وتوجس أمني مكثف)، وننتهي في المحصلة إلى ناد رياضي يجد نفسه في مواجهة الدولة التي يفترض أنه ينتمي إليها، وجمهوره "الأخضر" مصنف بحال اشتباه دائم في الولاء والانتماء، في إشارات لم تعد تخفى على أحد في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن نخب فيسبوكية مرتبطة بنخب الحكم لا تتوانى عن تأطير النادي بالابن الضال والشاة السوداء في قطيع "أزرق" شرق أردني، أو ربما ملكي أكثر من الملك نفسه.

التوظيف السياسي أخذ ملامح أكثر وضوحا "وربما أكثر وقاحة" في اصطفافات سياسية لشخصيات الصدفة البرلمانية، فيوظف بعض أعضاء البرلمان وقد انتخبتهم الفوضى غير الخلاقة للدولة في سنوات مضت، برنامجهم السياسي البراغماتي وبمكيافيلية لا التباس فيها، في هذا الشرخ الديموغرافي في الهويات والولاء والانتماء، ويصبح الصراع على رئاسة نادي الوحدات مثلا، صراعا على كسب التيار الفلسطيني في المملكة التي لا تزال تعيش هواجس القبيلة وتتوهم بالدولة.

بالخلاصة، تنافس الناديين التاريخي وجماهيرهما الغفيرة، وهذا التراشق سواء في الملاعب أو على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في الإعلام، ليس إلا أحد تجليات أزمة الدولة الأردنية، والتي تدلل وتؤشر بوضوح إلى ضرورة الحل الجذري، لا في أروقة الاتحاد وبالتأكيد ليس في اجتماعات الأجهزة الأمنية، بل على مستوى وطني شامل يبدأ من الجميع.

------------------------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG