Accessibility links

حكايات العنف الأسري.. 'أنقذني أطفالي'


طفل يرفع يده - صورة تعبيرية

صالح قشطة

لم تكن المراهقة غ. م. متأكدة من أن حلمها بالزواج من حبيبها الذي يكبرها بخمسة أعوام سيتحول إلى حقيقة، لكنها لم تتوقع أبدا أن تلك الحقيقة ستكون مرة.

أحيانا، تتمنى لو أن قصتها بقيت في إطار الحلم الوردي الذي طالما حلمت به، فالواقع أتى مغايرا تماما وجعلها رقما في الأعداد التي ترصد العنف ضد المرأة.

غ. م. تجاوزت اليوم عامها الـ40، تروي تفاصيل قصة درامية مؤلمة عاشتها طيلة سنوات من عمرها، وكلها أمل بالوصول إلى يوم تنتهي فيه معاناة كل امرأة تعاني من الاضطهاد على وجه الأرض.

"أتمنى أن يتوقف المجتمع عن ظلم المرأة، وعلى الرجل أن يشعر بشريكته وأن يسأل عن احتياجاتها، وأن يهتم بمشاعرها وأحاسيسها، فحقها في الحياة مهدور، ودورها مقتصر على الطهي والإنجاب والقيام بأعمال المنزل"، قالت.

من الدلال إلى القمع

وروت السيدة، "تزوجتُ بعمر 19 عاما، بعد حياة مليئة بالدلال، ولم أتوقع أن أتعرض لهذا العنف يوما، وما تعرضت له من ظلم كان بسبب والد زوجي ووالدته. لم يتقبلا زواج ابنهم بفتاة من خارج عائلتهم، وحتى اليوم يصفونني بـ’الغريبة’. حقا!".

"لا أزال أذكر جيدا عندما اعتدى علي زوجي ضربا للمرة الأولى في حياتنا. كنت ما أزال عروسا، في بداية حملي الأول. في تلك الليلة، بقيت أنتظر عودته إلى المنزل، حتى وقت متأخر، وشعرت بالقلق، وعند وصوله سألته عن سبب تأخره حتى هذا الوقت، فكان سؤالي كفيلا بانهياله علي بالضرب، بشكل مبرح، ما سبب لي صدمة استمرت عدة أيام".

وتابعت، "اضطررت إلى التزام الصمت، مقابل وعده لي بعدم تكرار ذلك مرة أخرى".

كان ذاك اليوم بداية لحياة مليئة بالأسى، استمرت مدة تجاوزت 12 عاما. لم تكن لدى غ. م. الجرأة على طلب الطلاق، فـ"المجتمع هنا لا يرحم السيدة المطلقة، ويجعل حياتها جحيما لا يطاق. أجبرتني ظروفي على الوقوف بصمت أمام العذاب الذي بت أعيشه يوميا"، قالت السيدة.

وبعد أن رزقت بطفل صارت فكرة الطلاق أصعب عليها لأنها لا تريد خسارة طفلها.

وبصوت مختنق، تابعت روايتها، "أتذكر جيدا الاعتداء الثاني علي أيضا، والذي على أثره نقلت إلى المستشفى. قام بضربي وركلي على بطني، وكنت حينها ما أزال حاملا، ما عرض حياتي وحياة جنيني للخطر".

وأضافت: "كانت تلك المرة الأولى التي أخبر فيها والدي بتعرضي للاعتداء من قبل زوجي، ولولا قدومه لما تمكنت من الوصول إلى المستشفى حيث قضيت ليلة في غرفة العناية المشددة".

بعد تلك الحادثة، رفض والدها إعادتها إلى زوجها. ولكن عدة محاولات وتعهدات منه ومن عائلته دفعت والدها إلى تغيير رأيه. عادت إلى منزلها لتكتشف أنها ستبقى حبيسة بين جدرانه لخمسة أعوام لاحقة، حرمت فيها من رؤية عائلتها، فعلقت بين بطش زوجها، وكراهية والدته لها.

والدته هي السبب

تعود غ. م. بذاكرتها إلى يوم قامت فيه بزيارة لمنزل عائلة زوجها، وهو مجاور لمنزلهم. ولسبب بسيط لا تذكره، قام زوجها بالاعتداء عليها بوجود والديه.

ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. روت أنه "قبل عودتنا إلى منزلنا تعرضت والدته لأزمة صحية شديدة، أقعدتها عن الحركة. ومنذ تلك الليلة لازمتها بشكل يومي لأعتني بها وأهتم بشؤون نظافتها وصحتها".

استمر هذا الحال لأعوام لاحقة، ما صنع بينها وبين والدة زوجها علاقة ودية غير مسبوقة، فتحسنت أحوال حياتها بشكل تدريجي. وبضحكة متهكمة علقت على هذا المستجد بقولها "هذا أكد لي أن والدته كانت السبب الرئيسي لمعظم مشاكلنا".

مع تحسن علاقتها بوالدة زوجها، تفاءلت غ. م. بانتهاء معاناتها مع زوجها بشكل كلي. لكن، رغم تحسن سلوك الزوج، لم يغير من طبعه كثيرا، واستمر بالاعتداء عليها في أوقات صارت أكثر تباعدا، ما سبب لها إحباطا ويأسا من الحياة، وعذابا نفسيا متواصلا.

وعن مجمل حياتها قالت "افتقدت فيها الشعور بالأمان، فقد كان كثير العصبية، إلى حد الجنون أحيانا. ففي إحدى المرات، ثار فيها غضبه لتأخري بتحضير الشاي له، فاقتحم المطبخ وتناول الماء المغلي عن الغاز، وسكبه علي وعلى طفلنا الذي كان لا يزال رضيعا، ما تسبب له بحروق سلخت الجلد عن جزء كبير من جسده".

النقطة الفاصلة

رغم شعوره بـ"الذنب وتأنيب الضمير" بعد تلك الحادثة، لم يتوقف عن الاعتداء عليها جسديا، أمام أقاربهم، والأصدقاء، وحتى أمام أطفالهم، إلى أن توقفت اعتداءاته بشكل لم تتوقعه يوما.

وعن ذلك الحدث المفصلي في حياتها، قالت: "كان الاعتداء الأخير قبل ثمانية أعوام، عندما كان ابني أكثر وعيا. منعاه من ضربي، وسألاه إن كان يقبل بأن يعتديا على والدته. ردة فعلهما سببت له صدمة كانت كفيلة بإعادته إلى وعيه".

"اليوم أشعر بقوة أكبر، عززها وجود أبنائي إلى جانبي. ولكن، مهما حاول إرضائي وتعويضي، فلن أنسى ما تعرضت له من إهانة في حياتي بسببه. هناك شيء مكسور في داخلي، لا يمكن إصلاحه أبدا. هذا مستحيل".

خاص بموقعي الحرة/ إرفع صوتك

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG