Accessibility links

بقلم مالك العثامنة

وعطفا على ما سبق في حديثنا عن الأردن، ورجال الملك ومآلات الدولة الأردنية اليوم.

فإن الدولة، بمعنى الكيان المؤسساتي بالمعنى المطلق، هي مفهوم واضح المعالم في القانون الأساسي وهو الدستور في الحالة الأردنية، والسلطات في الدولة لها تعريفها في الدستور نفسه، والملك رأس السلطات نص دستوري يقابله نص آخر يقول أن "الأمة مصدر السلطات"!!

ففي حين أن الملك، مهنة ووظيفة محددة الملامح بشخص من يتولى العرش ويعتليه، فإن "الأمة" وهي مصدر السلطات تبقى مفهوما فضفاضا قابلا للالتباس، وهي جدلية قديمة في الفقه الدستوري منذ أطروحات العقد الاجتماعي بين لوك وهوبز وروسو، إلا أن نظرية "الأمة مصدر السلطات" وجدت تخريجها القانوني عبر توليفة "ممثلي الأمة"، المنتخبين انتخابا من قبل الناس، ليمثلوهم، فتتحول الحالة الغامضة والمفهوم الفضفاض إلى حالة متجسدة محددة الملامح. كذلك، تصبح هي المفوضة عن "الأمة" كمصدر للسلطات!!

في الأردن، تتسع المفارقات عبر سياق تاريخي لتأخذ مداها، فنجد أن "بيت الأمة" وهو هنا البرلمان حيث مجلس النواب "ممثل الأمة"، كان مصدرا للسلطات في الخمسينيات من القرن المنصرم، أكثر منه الآن في الألفية الثالثة، حيث تحول بيت الأمة إلى بيت "ذوي المنافع" وباعتراف جهات رسمية تم انتخابهم عبر صناديق الاستمزاج الأمني لا عبر صناديق اقتراع حرة.

يختل توازن السلطات حسب المعنى الديموقراطي لها، ويختل المعنى الدستوري ضمنا، فنصبح أمام سلطة تنفيذية متغولة على سلطة تشريعية، وسلطة قضائية محكومة "بالقانون الذي تصدره السلطة التشريعية" مرهونة بمزاج السلطة التنفيذية. وننتهي إلى حالة مصطنعة من الحكم الديموقراطي. لا يكون التفعيل الحقيقي فيه إلا عبارة "الملك رأس السلطات الثلاث". أما الأمة، فتفقد حقها لتكون مصدرا لتلك السلطات.

لكن الملك هنا، مؤسسة في شخص، وشخص في مؤسسة، وتلك المؤسسة فيها موظفون، ومقربون، وأصحاب حظوة ومؤسسات أمنية وأصدقاء ومعارف ومحسوبيات، وهناك أيضا زوجة الملك نفسه بكل مؤسساتها الرسمية والشخصية التي تتشابك أو تنفصل عن مؤسسات الدولة والملك.

في المحصلة فتلك نخبة تحكم، فيها تقاطعات مصالح وتضارب في مصالح أخرى أيضا..!

**

مشهد من الذاكرة

أول استلامه سلطاته الدستورية، صرح الملك عبدالله الثاني تصريحا لا يزال حاضرا في الذاكرة السياسية الأردنية، حين قال (أنا لست أبي)!!

التصريح الملكي فضفاض وخاضع للتأويل حسب زاوية الرؤية، وبالضرورة في أكثر التأويلات اتساعا أن لا يكون الملك عبدالله الثاني نسخة عن الراحل الملك الحسين، وفي أكثر التأويلات ضيقا قد يكون المعنى أن الملك عبدالله الثاني سيكون صاحب سياسة مختلفة تماما عن أبيه الراحل، وهنا تتباين التفسيرات الفرعية كذلك!

عام 2000، وكأي صحفي أردني، تلقيت "دعوة فنجان القهوة التقليدي" من دائرة المخابرات العامة، من خلال اتصال تلفوني برقم مجهول.

الدعوة كانت للقاء المسؤول الأمني عن الإعلام في المخابرات العامة في اليوم التالي من الاتصال.

توجهت للدائرة، وعند أسواق السلام (مجموعة أسواق استهلاكية تقع بالقرب من مبنى المخابرات)، انتظرت السيارة التي ستقلني إلى داخل المبنى.

في البداية، "تمت استضافتي بدون قهوة" عند ضابط تعمد أن يكون فظا معي ويتحدث بمنطق العالم بالأمور. وبعد جدال لم أكن فيه موفقا بسبب عصبية الضابط المفرطة، أدخلني بعد مكالمة تلقاها في مكتبه إلى مكتب أكبر، وهو مكتب "عطوفته"!! المدير المسؤول.

كانت الودية في الاستقبال - مع ضيافة القهوة- قصيرة جدا، لم تتجاوز العشر دقائق تضمنتها ديباجة "الاستعباط" المعتادة حول "وطنيتي" وأني "ابن بلد" و"ابن ناس" وغيره من عبارات الاستلطاف الصبيانية.

على مكتب "المسؤول" كانت جريدة يومية بمانشيتاتها التي أبرزت حديث الملك عن "الوحدة الوطنية"!! وبمناسبة الحديث عن وطنيتي وأنني "ابن بلد" أشرت مقاطعا مضيفي إلى حديث الملك. وقلت له "الملك بحكي هيك!!"..فكانت إجابته التي ألجمتني ولم أنسها طوال السنين التي تلت هذا اللقاء اليتيم (الملك لو غلطان إحنا بنفهمه غلطه).

هذا المسؤول الأمني من رجال الملك أيضا.

*

لكن الحالة تزداد تعقيدا في الأردن، بتعميق فكرة مؤسسة العشيرة وإخراجها من سياقها الاجتماعي لتصبح توظيفا سياسيا – أمنيا، وعبر تقسيم أفقي لمجتمع يفترض أن المواطنة القانونية هي ما تجمعه، إلا أن الواقع الاجتماعي والسياسي في الأردن يضعك أمام انقسام يتجلى بكل عبثيته و تسطيحه مثلا في ناديين رياضيين، الوحدات والفيصلي، وبدلا عن مشاريع التنمية المدنية التي هدفت في السابق إلى توطين البداوة في مجتمعات حضرية تحول الأمر إلى توظيف البداوة والقبيلة والعشيرة حائط دفاع أول أمام أي مطالبات مدنية، فننتهي موسميا بانتخابات قد تكون حرة في التصويت الحر، لكنها مزورة بتضليل الوعي الاجتماعي وتوجيهه بشكل غير مباشر إلى "مرشح إجماع العشيرة" الذي عادة ما يبحث عن ضوء أخضر ولو كان باهتا من "الدائرة" ليضمن وصوله إلى مجلس النواب مشرعا.

في المقابل، كان الضوء الأخضر (الفاقع بوضوح) أيضا يمنح لرجال الأعمال الطارئين على المشهد السياسي ومحدثي النعمة المستفيدين والمتحالفين بنفعية خالصة بصفقاتهم مع نخب "شبحية" وقد استعاضوا عن مؤسسة العشيرة بمؤسسة "المال السياسي" وانقلبوا من مقاولين وتجار إلى مشرعين قانونيين في البرلمان.

وبين البينين، كان التيار الإسلامي الذي وظف العشيرة والمال السياسي معا في معاركه الانتخابية حاضرا لملء مساحات شاسعة في فراغ الوعي المجتمعي، فنخلص إلى برلمان يعيد إنتاج نفسه منذ عشر سنوات بشيوخ قبليين ورجال أعمال بعقلية تجار الشنطة وإسلاميين يقودهم الإخوان المسلمون بأجندة اجتماعية استطاعت أن تصل بالمجتمع إلى حالة فصام اجتماعي بين ثقافته المحلية الأصلية وثقافة هجينة قادمة من الصحراء حينا وكتب سيد قطب حينا آخر.

**

مشهد من الذاكرة

أواخر عام 1989، وبعد قرار الملك الراحل الحسين بن طلال استئناف الحياة البرلمانية الديموقراطية في الأردن بعد توقفها منذ عام 67، ورفع الأحكام العرفية وقانون الطوارئ، خاض الإخوان المسلمون الانتخابات بحملات انتخابية واسعة ومنظمة جدا في كل أنحاء المملكة، بشعار فريد من نوعه وقتها أتخموا به كل زاوية وشارع وعمود إنارة في الأردن، كان نصه : (العودة إلى الإسلام).

يبدو أن الملك الراحل قرر عدم التدخل في كل سير العملية الانتخابية حينها، وهو المتميز بحكمته وحصافته ومعرفته الوثيقة والشخصية بقيادات ورموز الإخوان المسلمين وقد كانوا حلفاءه طوال سنين على عكس علاقة الجماعة مع الأنظمة في الدول العربية عموما.

وبعد اكتساح الإخوان المسلمين في الانتخابات، وفوزهم بأغلبية مقاعد مجلس النواب وتسيدهم للمشهد السياسي في انتصار واضح المعالم بانتخابات كانت فعلا نزيهة بإجراءاتها (ولم تتكرر النزاهة بعد ذلك برأيي)، أتذكر كيف جمع الملك الراحل أركان الدولة - بما فيهم قيادات التيار الإسلامي المكتسح - في قصره الملكي، وألقى كلمة بثها التلفزيون الأردني حيث تحدث الملك بهدوئه الشديد وصوته الجهوري الواثق وقال (أنا ضد العودة إلى الإسلام) مما فاجأ الحاضرين، إلى أن أكمل حديثه بقوله (أنا مع التقدم إلى الإسلام، فالإسلام ليس في الخلف حتى نعود له، بل هو يتقدمنا).

بغض النظر عن صوفية وإيمانية الملك الراحل، ويقيني بأنه براغماتي معتق بالخبرة والحكمة، إلا أن ما فعله ببساطة كان تفريغ الشعار من محتواه، ومن ثم تفريغ الإخوان من شعارهم!!

ثم، وفي "ضربة معلم" أنهت جولة المناكفات بين النظام والتيار الإسلامي، وجه الملك إلى رئيس وزرائه السيد مضر بدران أن تكون حكومته برلمانية بمعنى أن يراعي في تشكيلها ضم الأغلبية الإسلامية، ليصبح الإخوان شركاء في الحكم إلى حد ما طبعا.

وشهدنا بأنفسنا أيامها، صقور الإخوان الذين كانوا يطالبون بالشريعة الإسلامية حلا لمؤسسات الدولة وقد باتوا جزءا من الحكم، وحملوا الحقائب، وصاروا أصحاب معالي وبذلات أنيقة ولحى أكثر "تهذيبا" بموازاة لغة أكثر تهذيبا أيضا خالية من التهديد والشعارات الثورية الغاضبة.

لم يعد الإخوان ينادون - منذ التقاطة الملك حسين الذكية- بالعودة إلى الإسلام، لقد أدركوا مأزق التورط في برنامج عمل!! فتمت فضفضة المفهوم والشعار ليصير واسعا جدا ونصه الذي اعتمدوه فيما بعد صار ( الإسلام هو الحل)!!

لكن بكل الأحوال فإن الإخوان المسلمين كانوا رجال الملك!!

(وللحديث و مشاهده بقية)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG