Accessibility links

بقلم مالك العثامنة/

من أهم ما يميز الأردن في تاريخه السياسي الحديث أنه كان دوما خارج دوامة البطش السياسي بين النظام و شعبه، وهي الدوامة التي تحيطه جغرافيا من أنظمة رجعية او أنظمة ادعت التقدمية و كانت طوال تاريخها منذ خمسينيات القرن الماضي تصف المملكة "بالصحراء الرجعية" وتنبئ بزوالها، ليحسم الواقع التاريخي في كل مرة كل ذلك فتزول كل "الأنظمة التقدمية المدعية" و يظل الأردن في عين العاصفة دولة تنمو بين تعثر و سلاسة، حسب مزاج المنطقة و الإقليم والعالم.

لقد أدرك الملك الراحل الحسين بن طلال سر الحكم في هذا المجتمع، فاستطاع أن يلمس فيه مواطن قوته واعيا لمكامن ضعفه، ورغم وجود جهاز مخابرات قوي في المملكة، إلا أنه لا يكاد يذكر أحد في أدبيات الأردن السياسية أي تصفية سياسية، وما عدا قصة متداولة لم يتم نفيها أو تأكيدها يوما عن شيوعي اسمه عبدالفتاح تولستان قضى – كما الرواية- في غرفة تعذيب مخابراتية، فإن الأردن لم يشهد ظاهرة كسر العظم بين السلطة و معارضيها، بل على العكس فإن الأدبيات السياسية الأردنية ذهبت في أقصى طرفتها إلى القول أنه لكي تكون مسؤولا في الدولة أو وزيرا فعليك أن تعارض الحكم أولا.

ولعل أكثر ما يمكن وصفه بالمفارقة هي رؤية الأردنيين الوجدانية الخاصة للعسكر والجيش، فلا يوجد عند الأردنيين مفهوم "العسكرتاريا" السلبي كما هو موجود في محيطهم، وقد تشكل في الوجدان الجمعي الأردني على مر السنوات الطويلة مفهوم إيجابي لكل ما هو عسكري، حتى الأردني حين يريد أن يضع معيارا أخلاقيا لقياس القيم والفاضل في الشخص يصف الموصوف بتلك القيم بأن "أخلاقه عسكرية".

لقد كان الجيش و الأمن العام مشمولين بتلك الثيمة الأخلاقية العميقة في الانضباط، وكان مرد ذلك قدرة النظام على الفصل بين الجيش والسياسة، وكان الجيش دوما حالة إنقاذ مدنية بتاريخ عسكري محترم.

كانت أحداث السبعين نموذجا تاريخيا لدور الجيش في حفظ النظام العام، لا الدفاع عن النظام و حسب، وفيما يذهب البعض إلى تسمية تلك الفترة بأيلول الأسود وهي تسمية ظالمة و تحريضية رسختها أدبيات اليسار و "التقدميين"، فإن الأردنيين ارتاحوا إلى التسمية الرسمية: "أحداث الشغب الداخلي"، وقد كانت كذلك فعلا في دولة تحاول الحفاظ على كيانها بعيدا عن عنتريات الإنشاء الرسمي بدءا من "تجوع يا سمك" إلى "قبل تحرير تل أبيب يجب تحرير عمان"!!

تلك اللحظة التاريخية "المتكررة" التي لمس فيها الملك الراحل الحسين دور المؤسسة العسكرية و عقيدتها المنضبطة والملتزمة بحفظ النظام العام، وترك الميدان السياسي لأهله.

اليوم، وفي أول منعطف أخير واجهه الأردن في سياق ما تمت تسميته بالربيع العربي، كان الحراك المعارض قد تصاعدت حدته إلى درجات غير مسبوقة، لكن الأكثر لفتا للانتباه والملاحظة كان في ما تم تسميته بتيار المتقاعدين العسكريين، و هو تيار اتسم بحدة معارضته أحيانا للسياسات العامة للدولة دون القدرة على تحديد ملامح الفاعلين فيه، لكن أن تشهد ظاهرة معارضة تحمل السمة العسكرية في مواجهة النظام، فتلك ظاهرة تعكس حجم التحولات التي شهدها الأردن.

العسكر في الأردن كانوا دوما، رجال الملك، كل ملك.

مشهد فيسبوكي معاصر:

يرسل لي صديق ناشط، صورة عن صفحة شيخ عشيرة أردني بكامل زيه التقليدي، وقد وضع هذا الشيخ لأحد أكبر عشائر الأردن صورة له تجمعه مع المرافق العسكري للملك عبدالله الثاني والصورة ملتقطة على بوابة بيت ذلك المرافق الضابط في الحرس الملكي، و يوضح الشيخ القبلي أن المرافق حمل المطالب الشعبية للقبيلة على ورقة ليعطيها للملك، شاكرا و ممتنا للمرافق العسكري أنه يحل هموم المواطن!!

بعيدا عن حالة النبل الشخصي للمرافق العسكري، فإنك أمام مفارقة تاريخية تم فيها تجاوز كل مؤسسات الدولة الرسمية و قنواتها السليمة والقفز فوقها وقد باتت حواجز معيقة، للوصول إلى رأس الدولة وكل السلطات عبر مرافقه العسكري.

هي صورة من صور كثيرة لها دلالاتها في عصر الثورة المعلوماتية، تجعلني وفي الحلقة الأخيرة من مقالي هذا، أن أوضح انني لا أكتب من منطلق المعارضة للنظام، بل من منطلق الرؤية من زاويتي لما أطمح ويطمح إليه غالبية أردنية إلى هدف واحد، وهو دولة المؤسسات والقانون.

--

ومن طرائف الأدبيات السياسية التقليدية الأردنية في ما سبق، كان أن الأردني من أصول شرق النهر هو البيروقراطي صاحب الحظ في الوظيفة العامة "مدنية أو عسكرية"، أما الأردني من غرب النهر فهو والحال كذلك صاحب التجارة ورأس المال، أما الإنتاج (وهو نمط إنتاج زراعي ورعوي بالضرورة) فقد تعرض للتشويه مع توسع الجهاز البيروقراطي مما دفع إلى تقلص هذا النمط الإنتاجي. (عالج الباحث الفلسطيني- الأردني هاني الحوراني تلك المسألة في كتاب بحثي له صدر في الثمانينيات، أخبرني ذات مرة أنه شخصيا لا يملك نسخة منه).

ارتاح النظام لتلك التقسيمة المبسطة عموما، ورعاها رعاية سياسية محترفة مستندا إلى كون الدولة ريعية ومعظم مواردها مصدرها الدعم العربي بحكم أن الأردن أطول خط مواجهة مع "العدو" حينذاك!

لكن، الأردن الذي يعيش على مقياس حساس للتغيرات الإقليمية حوله، تعرض لهزة ديمغرافية عنيفة بعد حماقة النظام العراقي السابق في احتلال دولة الكويت، وحمل الأردن كلفة عالية لتداعيات تلك الفترة العصيبة، والتي كانت بداية تحول مفصلي هام في تاريخ النزاع العربي – الإسرائيلي أيضا، وقد أفضى إلى معاهدات سلام، فاستيقظ الأردنيون صبيحة تالي يوم التوقيع على معاهدة وادي عربة، وقد فقدوا ميزة "أطول خط مواجهة مع العدو" وهذا يعني ببساطة توقف الدعم السخي القائم أساسا على تلك الحجة.

تلك التغيرات فككت بالضرورة الحتمية المعادلة السابقة والبسيطة ضمن تغير ديمغرافي أفقي و عمودي، لامس العمق الاجتماعي للمجتمع الأردني الذي فقد مكوناته البسيطة ليدخل عالم التعقيدات الاجتماعية منذ ذاك.

ظهرت في تلك الفترة، مجموعة "الليبراليين" وهو اصطلاح تعرض لعوامل التجوية والتعرية الأردنية ليخرج عن مفهومه الأصيل ليصبح ترميزا لظاهرة سلبية يمثلها ذوو ربطات العنق المتهمون دوما بالخضوع لقوانين السوق المفتوح وصندوق النقد والبنك الدوليين ونوادي المال العالمية.

هؤلاء، تجلت رؤيتهم أكثر في حكومة الرئيس الأكثر جدلا في عهد الملك حسين، عبدالكريم الكباريتي، والذي تصدى للقرارات الاقتصادية الصعبة بشجاعة المواجهة مع الرغبة الشعبية، و أطيح به في كتاب إقالة غير مسبوق خطه الملك الراحل الحسين بن طلال خرج فيه عن هدوئه المعهود وحملت طيات الإقالة تأنيبا عنيفا عكس ارتباك النظام أمام المتغيرات المتسارعة وانتهاء صلاحية الأدوات القديمة في الحكم أمامها.(الملك حسين في بداية عهد حكومة الكباريتي أشاد به ووصفه بأنه كوصفي التل، وهو الزعيم التاريخي الأردني الأكثر شعبية على الإطلاق).

بعد رحيل الملك حسين، وبداية عهد الملك عبدالله الثاني، والذي أعلن منذ البداية بقوله "أني لست كأبي"، تطورت فئة الليبراليين إلى النيوليبراليين، وهي صفة ضرورية وقد تحول العالم إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات، و ظهرت في الأدبيات السياسية الأردنية مصطلحات جديدة تقسيمية مثل "الديجاتيليين" في مواجهة " الحرس القديم" و بينهما اقتصاد يتهاوى بمشاريع قوانين وحكومات ومجالس نواب تفاوت أعضاؤها ورؤساؤها بين الفصيلين.

الملك عبدالله الثاني في تصريحات مفاجئة لصحفي أميركي في "ذي أتلانتيك" عام 2013، وصف فيها العشائر بالديناصورات والإخوان بذئاب وماسونيين وأن المخابرات تعيق الإصلاح.

المخابرات والعشائر وحركة الإخوان، رجال الملك، و كذلك صار الديجاتيليون و رجال الأعمال الجدد رجال الملك أيضا.

مشهد من الذاكرة:

جمعتني سهرة خاصة ومغلقة مع نائبين في مجلس النواب الأردني عام 2006، أحدهما كان أحد إنتاجات صندوق المخابرات الانتخابي في عهد المدير المدان بالفساد محمد الذهبي، و الآخر كان رجل أعمال مستحدثا ورث عن أبيه تجارة كان من ضمنها عطاءات التموين للجيش الأميركي في العراق لكنه انتهى اليوم إلى ركوب الموجة الشعبية في قيادة تيار المقاومة وخطف اليسار الثوري وطرح نفسه زعيما شعبيا للمكون الفلسطيني في الأردن.

في تلك السهرة ومع ازدياد نسبة الكحول في دمه، انطلق النائب "الذهبي" في سرد بطولاته أمام الحاضرين فتطرق إلى مرحلة الملك حسين، وقصة محاولة اغتيال خالد مشعل عام 1997، وفي حالة طردية مع منسوب الكحول كانت القصة التي يرويها تدخل عالم الفانتازيا إلى أن وصل في ذروتها إلى أن الملك حسين اعتمد عليه هو شخصيا لإحضار العقار من الموساد، ومرافقة الشيخ أحمد ياسين بعد أن ربت الملك على كتفه قائلا له "ما إلنا غيرك يا ابني"!! (قيل لي فيما بعد أن الرجل فعلا كان حاضرا تلك الواقعة التاريخية لكن بصفة ضابط صغير في الخدمات الطبية الملكية، وكان دوره بحكم رتبته الصغيرة أن يقوم بإدخال صينية الشاي إلى غرفة تم إعدادها خصيصا في المدينة الطبية للملك حسين، الغاضب حينها مترقبا سلامة خالد مشعل ومتفكرا برد الإهانة الإسرائيلية باختراق أمن مملكته و سيادتها).

هذا الحكواتي الطريف، كان حين روى لنا الحكاية -كمستمعين ندامى له- نائبا في البرلمان، بوظيفة مشرع، مدفوعا هو وغيره بقوى دفع صاروخية أمنية، وهذا نفسه صار شخصية سياسية تدرج في مواقعه حتى وصل إلى منصب نائب رئيس مجلس النواب الأردني نفسه وزعيما لتيار "سياسي!!" في البرلمان.

هذا الرجل و نديمه المشرع الثورجي و تيارهم الموجود لا يزال في الحياة العامة الأردنية، جميعا أيضا رجال الملك.

ملخص القول، وقد وصلنا إلى خاتمة المقال ولم نصل إلى كل ما نريد البوح به و قوله، وفي سياق مشاهد الذاكرة أيضا و تداعياتها فإنني أستذكر مشهدا آخر وقد اجتمعت ذات مرة بمعارض أردني مثقف عام 2005، حيث همس لي وأنا أقلب أوراق رؤية وضعها مع رفاقه لحوار وطني جريء يجمع الجميع مع الملك، أنه كمعارض يهمه أيضا أن يكون الملك الأردني أهم من أي ملك في التاريخ (أهم من هنري الرابع نفسه كما قال لي)، وهذا حسب قوله لا يتأتى إلا بدولة مؤسسات وقانون، ثم ختم حواره معي بقوله: على الملك عبدالله أن يحسم الأمر كله بالاختيار بين كونه رأس دولة أو شيخ مشايخ كل القبائل.

ختاما..

فإننا أمام أي فرضية تطرح مشروع دولة مدنية قائمة على المؤسسات والقانون، خاضعة لدستور ينظم العمل بين السلطات، فإننا كلنا سنكون رجال الملك.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG