Accessibility links

بقلم حسين عبد الحسين/

في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، سلّم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ولده وخليفته بشّار "الملف اللبناني"، فعكف الأخير على تحييد زعامات لبنان التقليدية، واستنساخ نظام الأسد العسكري الاستخباراتي في لبنان. استقدم بشار الأسد رجل أعمال من الموحدين الدروز كان يسكن الخليج، وألبسه زيا دينيا، ونصّبه زعيما مناوئا لزعيم الدروز التقليدي وليد جنبلاط، السياسي المحنّك الذي أطاح برجل الأسد ومن تبعه من دروز لبنان.

في ذلك الزمان، كنت مارا في الشوف برفقة دروز من مناصري جنبلاط. حاولوا إلقاء التحية على رجل يعرفونه، فلم يبادلهم التحية. سأل أحدهم عما جرى، فأجاب الآخر أن هذا الرجل محبط بشكل يقارب الخبل، وأنه مشى مع رجل الأسد وراهن عليه، وعندما انهار رجل الأسد، انهار أتباعه، وقاربت حالتهم الجنون. هنا ردد أحد الجنبلاطيين: ”أنا قلت له منذ اليوم الأول، خليك مع البيك (جنبلاط) أبقالك“.

في النظام الأبوي، الاجتماعي والسياسي، الراسخ في دول العرب والترك والفرس والكرد، يتعلم الناس فن المراهنة، التي تكون غالبا على الزعيم القوي الذي يمكنه تأمين الحماية على أنواعها لأتباعه، الذين يبادلونه بدورهم الولاء. هذه هي العصبيات.

لكن جنبلاط، زعيم الدروز الأوحد، ليس زعيما أوحدا في الشرق الأوسط، بل هو زعيم أقلية لا تتمتع بأعداد ولا بإمكانيات تؤهلها المنافسة بين الكبار، ما يفرض على الدروز المناورة المستمرة من أجل البقاء. هكذا، مثلما يختار الدروز زعيما من داخل طائفتهم للرهان عليه، يختار جنبلاط بدوره القوة الإقليمية التي يمكنه التحالف معها والمراهنة عليها. وفي هذا السياق، يروي معلمنا المؤرخ الراحل كمال الصليبي أنه إبان معركة عين جالوت بين المغول والمماليك في القرن الثالث عشر للميلاد، احتار الدروز على من يراهنون، فقسموا أنفسهم إلى نصفين، مجموعة قاتلت مع المغول، وأخرى مع المماليك، حتى يتوسط المتحالفون مع الفائز للمهزومين مع الخاسر.

في العام 2005، راهن جنبلاط على مشروع أميركا "نشر الديموقراطية"، فتحدى تحالف إيران والأسد و"حزب الله"، إلى أن أرسل "حزب الله" جيشه لتصفية زعيم الدروز في 2008. يومذاك، حركت القيادة الأوروبية في الجيش الأميركي قطعا بحرية في اتجاه الساحل اللبناني، وخابر رئيس الحكومة سعد الحريري جنبلاط قائلا: ”إن صمدتم 24 ساعة في الجبل، يأتي الأميركيون لإنقاذنا“، فأجابه جنبلاط: ”إذا لم نوقف الحرب، سنذهب أنا وإياك سباحة إلى السفن الأميركية في المتوسط“.

استسلم جنبلاط والدروز، وتمسكوا بسياسة "عدم انحياز" حديدية في لبنان وسورية، على الرغم من محاولات الأسد الحثيثة إقحام الدروز في "تحالف الأقليات"، الذي يعتقد الأسد أنه يقوده مع المسيحيين والشيعة وإيران وروسيا.

سبب استعادتنا سياسة المحنك جنبلاط هي لتقديم صورة عن كيفية تفكير العصبيات، التي تحركها غريزة البقاء، والتي تسعى دائما للرهان على الفائز.

سنّة العراق، كما دروز لبنان، راهنوا على الولايات المتحدة، وقاتلوا الى جانبها للقضاء على القاعدة والإرهاب. فازت أميركا بقيادة الرئيس السابق جورج بوش، وخرجت من العراق تحت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، الذي رمى السنة "تحت الباص"، حسب التعبير الأميركي.

في اليوم التالي للانسحاب الأميركي، حاصرت دبابات رئيس الحكومة السابق الشيعي نوري المالكي منزل نائب الرئيس السني طارق الهاشمي، واستخدم المالكي التنكيل بالسنة وسيلة شعبوية لمقارعة منافسيه الشيعة.

ويوم جلس رئيس الأركان الأميركي السابق مارتن ديمبسي أمام الكونغرس ليقدم خطته لاستعادة الموصل من داعش، قال إن ”حجر الزاوية في خطتنا هي اعادة العلاقة مع الصحوات“، أي القوات العراقية السنية الحليفة لأميركا. لكن بضغط من إيران، عن طريق رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي، تراجعت إدارة أوباما عن تسليح الصحوات والبيشمركة، فلم يبق في الميدان إلا ميليشيات إيران المعروفة بـ ”الحشد" الشيعي.

أما المفاجأة الكبرى فجاءت من كردستان، عندما ارتكب مسعود البارزاني أكبر أخطاء حياته بإعلانه استفتاء الاستقلال الكردي. في الذاكرة الجماعية الكردية، استسلم الملا مصطفى البارزاني، والد مسعود، يوم توصل شاه إيران محمد بهلوي ونائب رئيس العراق صدام حسين لاتفاقية الجزائر في العام 1975. رمى الشاه وأميركا بالكرد ”تحت الباص“، وأمضت قوات صدام عشرين عاما وهي تمزق الكرد، بما في ذلك ضربهم بالكيماوي.

كيف أخطأ الملا مسعود الحساب؟ حتى جنبلاط رجاه، في تغريداته، تأجيل الاستفتاء، وتفادي المواجهة. جنبلاط يعرف أن أميركا غائبة وأن إيران هي الحاكمة، وهي كانت تبحث عن عذر للقضاء على حكم الكرد الذاتي برمته.

على مدى السنوات الماضية، فاز من راهن على إيران وجنرالها قاسم سليماني ـ في رأيي ـ وخسر من راهن على أميركا وحلفائها. حتى تركيا، عضو ”تحالف الأطلسي“، أدارت ظهرها لواشنطن وارتمت في أحضان طهران، ورفعت غطاءها عن صديقها البارزاني، الذي استضاف كل المعارضة العراقية ضد صدام، ودعم كل القتال ضد داعش، ليكافأ بالقضاء حتى على حكم كردستان الذاتي.

الحروب في الشرق الأسط لا تجري في فراغ، بل وفق حسابات عشائرية وقبلية مرتبطة بموازين قوى عالمية وإقليمية. إيران تلعب اللعبة حسب الأصول، وأميركا تأرجحت بين ”نشر الديموقراطية“ مع بوش و“عدم المبالاة“ مع أوباما، وهو ما ساهم في إيذاء سمعتها، وقلص من فرص عثورها على أصدقاء وحلفاء مستقبلا، في انتظار استراتيجية أميركية متماسكة، تتعاطى مع الوضع الحالي مع عين على المستقبل، وتستعيد ثقة أصدقاء أميركا وحلفائها.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG