Accessibility links

"14 آذار" والمستحيل


اتخذ عون مؤخرا مواقف لا تلائم توجهات حزب الله (أرشيف)

بقلم فارس خشّان

هل يمكن إحياء "تحالف 14 آذار" الذي كان قد نشأ بعد نزول ثلث الشعب اللبناني إلى وسط بيروت، بمناسبة مرور شهر واحد على اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005؟

هذا السؤال تفرضه رغبة البعض، في الداخل كما في الإقليم، بتجميع قوى هذا الائتلاف المفكك، من أجل أن تخوض معا الانتخابات النيابية المقررة في السادس من أيار/ مايو المقبل، كبداية ضرورية لتجديد المواجهة السياسية مع "حزب الله" ومشروعه وسلاحه "الإيرانيين".

هل هذا ممكن؟

نظريا، لا مستحيلات في السياسة، وهذا ما أثبتته التطورات التي أتت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وسعد الحريري رئيسا لأولى حكومات عهده، بعدما كانا أشد خصمين.

لكن، وفي السياسة أيضا، يظهر أن الأسباب التي تدفع إلى تلاقي الخصوم هي نفسها التي تفرق الحلفاء.

ويدرك كل من عاين سابقا تطور العلاقات بين قوى 14 آذار أن مشكلتها لم تكمن يوما في الأهداف، بل في الأوزان.

يبدو أن العودة إلى تحالف 14 آذار في هذه الانتخابات لن يأتي بأرباح تذكر، وجل ما تحاول الأطراف المدعوة إلى إحياء هذا التحالف فعله هو الدعوة إلى خوض انتخابات على قاعدة كل حزب بحزبه

من 14 آذار التأسيسية، خرج "التيار الوطني الحر" مبكرا بسبب خلاف مع رئيسه يومها ميشال عون، على الوزن النيابي الذي يفترض أن يتمتع به في انتخابات العام 2005. منافسوه ضمن الصف الواحد، اعتبروه من "وزن الريشة". هو اعتبر نفسه من فئة "الوزن الثقيل".

وبسبب الاختلاف على الأحجام، ترك عون تحالف 14 آذار، وذهب بانتصاره الانتخابي إلى تفاهم مع "حزب الله"، بهدف مقايضة وزن سلطوي له بوزن استراتيجي للحزب.

اقرأ للكاتب أيضا: كلام.. الغوطة

وبعد انتخابات العام 2009، وعلى خلفية دروس ما سماه "هزيمة 7 أيار 2008" (هجوم "حزب الله" وحلفائه عسكريا)، خرج جنبلاط من 14 آذار إلى ما سماه الوسطية التي ستهزم، في وقت لاحق، الرئيس سعد الحريري وتخرجه ليس من رئاسة الحكومة فحسب بل من لبنان أيضا، بسبب تهديدات أمنية ترجمها عون يومها، بعبارة شهيرة: قطعنا تذكرة سفر "وان واي" للحريري (رحلة باتجاه واحد).

وعندما استقال نجيب ميقاتي من رئاسة الحكومة، بعدما انهار حليفه القوي بشار الأسد بفعل اندلاع الثورة في سورية، قرر الحريري اغتنام الفرصة والدخول في الحكومة بمشاركة "حزب الله"، متراجعا بذلك عن تأكيدات سابقة له بأن "لا شراكة حكومية ممكنة مع "حزب الله،" إذا لم يسلم المتهمين بقتل رفيق الحريري وإذا لم يتم التوصل إلى حل لسلاحه".

وأدى قرار الحريري الاشتراك في حكومة ترأسها تمام سلام، إلى تصدع العلاقة مع "القوات اللبنانية" التي قررت أن تبقى خارج تلك الحكومة.

وتصدع علاقة "المستقبل" مع "القوات"، وهما من أهم عواميد 14 آذار، سيسحب نفسه على ملف رئاسة الجمهورية، إذ وقف سمير جعجع بقوة ضد ترشيح الحريري للنائب سليمان فرنجية، حتى وصل به الأمر إلى عقد مصالحة مع عون، جوهرها إيصال عون، بدلا من فرنجية، إلى القصر الجمهوري.

وكان جعجع قد ساهم، قبل ذلك، في إفشال مساع أولية للحريري، بهدف توفير موافقة على انتخاب عون.

وهذا الخلاف لم يكن بسبب تناقض نظرة تياري 14 آذار الكبيرين إلى الأهداف الوطنية والإقليمية، بل بسبب وزن كل منهما في السلطة.

سياسة "الحد من الخسائر" أدت إلى "تشلّع" 14 آذار نهائيا، مع بروز قوى وشخصيات رفضت خيار عون ومعايير التسوية السلطوية

في هذه الفترة، بدا الحريري مقتنعا بأن استمراريته السياسية منوطة بشراكته الفاعلة في إعادة تشكيل السلطة، فيما كان رأي جعجع أن وزنه سيتلاشى إن أعيد تشكيل السلطة، وفق رؤية الحريري.

وأدى تبني جعجع لترشيح خصمه ميشال عون، بعد تفاهم مرحلي بينهما، إلى تخفيف حجم الخسائر التي كان يخشى منها. فيما وفر الحريري، بتفاهم لاحق، المكاسب نفسها التي كان يرجوها من ترشيحه لفرنجية.

ولكن سياسة "الحد من الخسائر" هذه، أدت إلى "تشلّع" 14 آذار نهائيا، مع بروز قوى وشخصيات رفضت خيار عون ومعايير التسوية السلطوية. وهكذا غُيب "حزب الكتائب" الذي كان قد خسر في معركة 14 آذار الوطنية شهيدين هما بيار الجميل وانطوان غانم، وكثير ممن كانوا على منصة 14 آذار 2005.

اقرأ للكاتب أيضا: نصر الله في "محكمة الحريري"

وزاد قانون الانتخابات الجديد الطين بلة حيث أضيفت النسبية العددية إلى "النسبية الطائفية"، وحيث يضع "الصوت التفضيلي" ترتيب المحتمل فوزهم، وليس واضعي اللوائح، وفق ما هو معمول به في الأنظمة التي تعتمد النسبية.

ودفع هذا القانون القوى التي كانت ضمن 14 آذار إلى التفتيش عن تحالفات انتهازية، أي تحالفات تعينها على تحسين وضعها الانتخابي، حتى لو لم تجمع رؤية وطنية واحدة المتحالفين.

ويبدو هنا أن العودة إلى تحالف 14 آذار في هذه الانتخابات لن يأتي بأرباح تذكر، وجل ما تحاول الأطراف المدعوة إلى إحياء هذا التحالف فعله هو الدعوة إلى خوض انتخابات على قاعدة كل حزب بحزبه، على اعتبار أن ذلك وحده كفيل بتظهير الحجم الحقيقي لكل فريق.

والمسألة لا تتوقف عند الانتخابات بذاتها، إذ إن كل طرف يتطلع إلى ما سيكون عليه موقعه في السلطة، بعد فرز صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، فإن خاض الحريري انتخابات تعين سمير جعجع على "التيار الوطني الحر" الذي يريد تهيئة الطريق أمام جبران باسيل ليخلف الرئيس ميشال عون، فإن العلاقة بين الحريري وهذا "التيار" سوف تتدهور، وقد تؤدي إلى عرقلة عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة.

ولهذا السبب لا يبدي الحريري أي حماسة لتحالف شامل مع "القوات اللبنانية" ومكونات أخرى من 14 آذار، وجل ما يعرضه على مائدة التسويات، هو خوض انتخابات مستقلة، بحيث ينأى بنفسه عن صراع الأوزان العوني ـ القواتي.

وقدم "التيار الوطني الحر" للحريري، في الأسابيع الماضية، ما يعينه على الترويج لاستقلاليته الانتخابية، إذ إن التيار لم يختلف مع رئيس مجلس النواب نبيه بري فحسب بل وجه انتقادات لـ "حزب الله"، ولوح بالابتعاد عنه انتخابيا. واتخذ العماد عون مواقف لا تلائم توجهات الحزب ومنها، على سبيل المثال، دعوته إلى التحكيم لحل النزاع على الحدود البحرية مع إسرائيل.

ولأن من يخوض الانتخابات لا يتطلع إلى خوض حرب أهداف وطنية كبرى، بل إلى توفير أوزان ملائمة للوصول إلى مراكز سلطوية منشودة، فإن هناك في لبنان من يردد، مستعيرا من فلاديمير بوتين معادلته عن الاتحاد السوفياتي السابق: من لا يتأسف على 14 آذار هو بلا قلب، ولكن من يتطلع إلى إحيائه، فهو بلا عقل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG