Accessibility links

كفانا غربة في بلدنا


شعارات مناهضة للعنف المنزلي في تظاهرة بمناسبة يوم المرأة العالمي في بيروت (أرشيف)

بقلم رنا الفيل/

كالعادة، تحتفل القوى السياسية اللبنانية باليوم العالمي للمرأة عبر خطابات وتصريحات رنانة فيما وضع المرأة اللبنانية وحقوقها يبقى من الأسوأ ليس فقط في العالم بل في المحيط العربي. من قوانين أحوال شخصية تمييزية تصدم المنطق وتتنافى مع أبسط القيم الإنسانية في عصرنا الحالي إلى التحضير لانتخابات نيابية من دون كوتا نسائية؛ تطول لائحة الاستهتار بكرامة المرأة اللبنانية إلى ما لا نهاية.

صحيح أن تقديم 111 امرأة ترشيحها للانتخابات المقبلة هو تحول في الحياة السياسية اللبنانية، علما أنه في العام 2009 اقتصر عدد المرشحات على 12، لكن الحقيقة المرة هي أنه في غياب الكوتا، فإن فرص فوز عدد مقبول منهن محدودة للغاية. على الرغم من القانون الانتخابي النسبي، من الصعب وصول عدد كبير منهن إلى مجلس النواب في حال لم تنضم المرشحات إلى لوائح القوى السياسية الأساسية. ومن المتوقع فوز عدد من مرشحات المجتمع المدني لكن النسبة لن تشكل فرقا لافتا في مجلس النواب. فالأحزاب التقليدية التي تملك المال الانتخابي وتلعب على الوتر الطائفي لا تزال هي الأقوى على الأرض. وهي أثبتت على مدى العقود السابقة أن حقوق المرأة ليست من أولوياتها.

أدعو نساء لبنان إلى الامتناع عن التصويت للوائح انتخابية لا تضم عددا مقبولا به من النساء الفاعلات، المدافعات عن حقوق المرأة

لا يبدو أن قوى السلطة تخجل من أن مجلس النواب الحالي لا يضم سوى أربع نائبات من أصل 128 نائبا، أي بنسبة 3 في المئة، مما يجعل لبنان في المرتبة 184 عالميا، تسبقه أكثرية الدول العربية ولا يلحق به منها سوى سلطنة عمان واليمن. حتى المملكة العربية السعودية عينت 30 امرأة في مجلس الشورى أي 20 في المئة من عدد الأعضاء. الكوتا في لبنان كانت ضرورية وكان من المفترض التمسك بها رغم معارضة حزب الله. فلو كانت القوى الأخرى جادة في طرحها، لجعلت الأمر قضية وطنية وفضحت أمام الرأي العام اللبناني من يقف ضد تمكين المرأة اللبنانية.

تأتي مهزلة التحضير لانتخابات من دون كوتا فيما المرأة اللبنانية تعاني من تمييز صارخ ضدها نتيجة إخضاعها لقوانين الأحوال الشخصية للطوائف وليس لقانون مدني حضاري يساوي بينها وبين الرجل. التمييز يشمل عدم المساواة في قانون الإرث وفي الحصول على الطلاق وحضانة الأطفال، وفي الحق بإعطاء الجنسية إلى الزوج الأجنبي والأولاد، وغيرها من المسائل. الاغتصاب الزوجي وزواج الأطفال لا يعاقب عليهما القانون لأن بعض المؤسسات الدينية لا ترى مانعا من حصولهما.

إن أراد المرشحون صوتنا، ليقولوا لنا ما هو برنامجهم لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. كفانا غربة في بلدنا

لا دور تشريعيا حقيقيا لأي مجلس نواب إن لم يلغ القوانين التي تسرق من المرأة حقوقها الأساسية. كان على النواب الحاليين صون كرامة المرأة اللبنانية، أيا تكن طائفتها، وهي لم تخترها أصلا، عبر وضع حد للتمييز ضدها. التشريعات الخجولة التي أصدرها النواب لا تدعو للفخر. فحتى عندما قاموا، بعد جهد كبير، بإلغاء المادة التي تسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب في حال تزوج ضحيته، تركوا ثغرة تتعلق بالجرائم الجنسية ضد الأطفال من سن 15 إلى 18.

غير أننا اليوم على مشارف انتخابات والكل يحاول كسب تأييد المرأة التي تشكل أكثر من نصف الناخبين. حتى حزب الله لم يتوان عن الإطراء على المرأة. فتحدث نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم عن "الدور الكبير" للمرأة، مثنيا على تضحياتها ومتناسيا أن حزبه عارض اعتماد الكوتا النسائية. أما القوى السياسية الأخرى الداعمة بالقول لمشاركة المرأة في الحياة السياسية، ومنها من اقترح أو أيد الكوتا، فتعمل على تشكيل لوائح انتخابية وجود النساء فيها ضئيل جدا، إن لم يكن غائبا.

كامرأة لبنانية سئمت التأييد الفارغ لحقوقها، أطلب من الزعماء السياسيين إعفائي، في اليوم المرأة العالمي، من الكلام الانتخابي الفارغ حول دعمهم لحقوق النساء. وأدعو نساء لبنان إلى الامتناع عن التصويت للوائح انتخابية لا تضم عددا مقبولا به من النساء الفاعلات، المدافعات عن حقوق المرأة. لتكن المعركة في الانتخابات المقبلة بين الداعم والمعارض لحقوقنا عوضا أن تكون بين قوى سياسية أكثرها لا يملك حتى برامج سياسية ويعتمد على تجييش انتماء طائفي لم ينفعنا يوما. إن أراد المرشحون صوتنا، ليقولوا لنا ما هو برنامجهم لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. كفانا غربة في بلدنا.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG