Accessibility links

لبنان تحت الاحتلال المستتر


عناصر من القوات الخاصة في الجيش اللبناني في جرود راس بعلبك

بقلم حسن منيمنة

إذا كان من حق اللبنانيين أن يعتزوا بأداء جيشهم الوطني في مواجهته الميدانية للفصائل الجهادية في جرود عرسال ونجاحه في إخراجها منها، فإنه من واجبهم طرح جملة من الأسئلة في أعقاب هذه المواجهة لإنهاء الحالة الشاذة التي يعيشها لبنان كدولة قاصرة في سيادتها على أمنها وقرارها.

رغم أن آخر الفصائل الجهادية وأعتاها، أي تنظيم الدولة الإسلامية، خاض المعركة على جبهتين، إحداهما بمواجهة الجيش اللبناني، والأخرى مقابل قوات مشتركة من حزب الله والنظام السوري، فإن قيادة الجيش اللبناني، عبر المتحدث الرسمي باسمها، أكّدت أن عملياتها جرت دون التنسيق مع الحزب والنظام. إلا أن الظنون حول صدقية هذا التصريح ارتفعت مع التزامن في تعليق المواجهة ثم في التسوية التي أنهت المعركة، والتي شملت هذه الأطراف كافة.

والمسألة هنا ليست في استفادة الجيش اللبناني من ترتيبات مرحلية تجنّبه الخسائر في الأرواح، بل في مدى إقحام هذا الجيش بمهام تخدم استمرار الحالة الغريبة التي يعيشها لبنان منذ قرابة العقدين، أي منذ خروج إسرائيل عام 2000 من آخر الأراضي اللبنانية التي كانت قد احتلتها في حربها على أراضيه مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982. ولا شك أن إسرائيل، بعد أن تمكنت من إخراج منظمة التحرير من لبنان، كانت قد أوقعت نفسها في منطق دائري، إذ كان بقاؤها في لبنان لحماية نفسها من الخطر الناتج عن ... بقائها في لبنان. ذلك أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية هو ما حفّز المقاومة وأتاح المجال لإيران، من خلال تمويل حزب الله وتنظيمه وتأطيره، إيجاد موطئ قدم في بلاد الأرز. وإذا كانت إسرائيل قد تمكنت من الخروج من مأزق المنطق الدائري هذا، من خلال الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية عام 2000، فإن حزب الله تعمّد بدوره طرح منطق دائري بديل للمحافظة على كيانه الخارج عن سيطرة الدولة: فسلاح حزب الله موجود في لبنان لحماية لبنان من الخطر الناتج عن ... وجود سلاح حزب الله فيه. إذ على الرغم من تخوين الإعلام التابع لحزب الله لمن يجاهر بالواقع، فإن الرأي السائد في لبنان هو أنه ليس لإسرائيل مطامع ومصالح فيه إلا التخلص من الصورايخ الموجهة إليها والتي نشرتها وجهّزتها إيران في مختلف الأراضي اللبنانية.

وهنا جوهر المسألة. التحدي على الحدود اللبنانية الإسرائيلية ليس بين لبنان وإسرائيل، ولا حتى بين حزب الله وإسرائيل، إذ أن هذه الفرضية الأخيرة تعتبر أن لحزب الله قرارا ذاتيا وهذا مخالف للواقع، بل هي بين إيران وسائر المجموعة الدولية من خلال تهديد إسرائيل.

ولا شك أن إيران قد حقّقت إنجازا فريدا في لبنان. هي أنشأت جيشا كامل التجهيز، خاضعا حصراً لقرارها وناشطا قطعاً لتحقيق مصالحها، وقادرا على الضرب وفق أمرها، في حين أن روادع تحريكه الاعتيادية غائبة. إذ حتى حين تستعصي الخلافات بين الدول على الحل السلمي، فإن حساب الربح والخسارة هو ما يلجم الحكومات عن اتخاذ قرار الحرب، وتقدير الخسارة ينطوي عادة على اعتبار الأضرار المادية كما الخسائر في الأرواح. أما بالنسبة لإيران إذ تمسك بزمام حزب الله، فالاعتبار الأول هو تبديد استثمارها فيه فحسب.

نظرياً، قدمت إيران من خلال حزب الله «التمكين» للطائفة الشيعية في لبنان، بعد أن كانت هذه الطائفة «محرومة». أما فعلياً، فالمواطنون اللبنانيون الشيعة ليسوا كمّا جماعياً، والتمكين المفترض هو في واقع الأمر استيلاء على المقومات الطائفية ثم الفردية، يرتقي إلى طموحات شمولية عجزت الثورة الإسلامية عن تنفيذها بحق المجتمع الإيراني نفسه. فـ «مواطن حزب الله» يلد في مستشفيات الحزب ويدرس في مدارسه، ويتدرب في جمعياته الكشفية ثم في معسكراته، ويعمل في مؤسساته، ويخدم ضمن فصائله العسكرية، وحين يقتل يطمئن إلى أن الحزب سوف يعتني بأسرته. هو تأطير من المهد إلى اللحد وما يتعداه، يبقى معه هذا المواطن قاصراً في عهدة الحزب، لخدمة الحزب، فيما الحزب موجود لخدمة إيران.

ورغم الطفح الإعلامي حول اندراج هذه الواقع الغريب ضمن معادلة «وطنية» قائمة على ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة»، فإن الحقيقة الموضوعية أنه ليس ثمة «مقاومة» في لبنان بأي معنى متعارف عليه دولياً وتاريخياً، إذ لا احتلال ولا نظام حكم فاجر كاسر، بل ثمة جيشان، أحدهما وطني قابل للمساءلة، ولكنه كذلك خاضع للاختراق، والآخر ، وهو الأقوى والأعتى، فئوي تابع للخارج، عصي عن أية مراجعة أو مساءلة. الأول مهامه مشروطة بموافقة الثاني، فيما الثاني لا شروط أو قيود (لبنانية) لتحركاته الداخلية والخارجية. فالتعريف الذي ينطبق على هذه الحالة هو الاحتلال، لا المقاومة، وإن كانت عوامل الاحتلال محلية.

وهنا المفارقة المؤلمة. أحد الجامعيين المرتبطين بحزب الله صرّح علناً أنه من شأن «الشركاء في الوطن» أن يناقشوا حزب الله في مواضيع الكهرباء والنفايات والتعيينات وما شابه، أما بشأن السياسة الدفاعية وعمليات الحزب في الخارج، فلا أهلية لهم للنقاش على هذا المستوى، وعليهم الصمت والقبول. أي على «الشعب» المدرج في الثلاثية أن يرضى بالذمية وحسب. غير أن رأي هذا الأستاذ الجامعي ينطبق تحديداً على حزب الله إذ يسعى إلى «التنسيق» مع إيران، فرأيه له اعتبار لدى طهران حين يتعلق بالكهرباء والنفايات والتعيينات في لبنان، أما إذا كان الموضوع أين ترى إيران زجّ الحزب في معاركها، من سورية والعراق إلى اليمن، فلا أهلية للحزب للنقاش، وعليه أن يقبل وحسب بتبعيته، ويوفد الشباب اللبناني للقتال والقتل وفق مقتضى المصلحة الإيرانية.

مهما ارتفعت نبرة الحزب التهديدية لمنع أي تجرؤ على المعارضة، فإن الدولة السيدة الحرة المستقلة لا تقوم ولا تستقيم مع وجود قوات مسلحة عقائدية فئوية تابعة للخارج تفوق قدراتها قدرات الجيش الوطني، بل تلقي بوصايتها بأشكال مختلفة على هذا الجيش، وتبقي المواطن والمجتمع في حالة قصور ورضوخ وسلب للقرار. هو احتلال، وإن مستتر، والاحتلال يقتضي المقاومة. ومقاومة هذا الاحتلال هي بتفكيك البنى النفسية والتنظيمية التي ساهمت في توطيده. وأولها عدم تطبيعه، وعدم الرضوخ لسرديته. هي مهمة شاقة ملقاة أولاً على عاتق المجتمع اللبناني برمّته، بغضّ النظر عن أي انتماء طائفي، ولكنها كذلك مسؤولية دولية.

إيران، من خلال الحزب، تترس بلبنان، عبر فرض معادلة يدفع لبنان من خلالها ثمن أية محاولة تحجيم لها. وكما نجحت إيران في هذا الترتيب الدقيق الذي يسمح لها بضمان مصالحها، فإنه على الأسرة الدولية إيجاد السبيل إلى فك هذا الارتباط العضوي، المميت للبنان، بين المصلحة الإيرانية والحياة اللبنانية. والخطوة الأولى هي بتسمية الواقع باسمه. هو احتلال، وإن عبر أطراف محلية.

ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG