Accessibility links

لبنان: المعارضة المرذولة


نبيه بري مدليا بصوته خلال عملية انتخاب رئيس للمجلس النيابي في لبنان

بقلم فارس خشّان/

في ظل التشوه الذي أصاب الديموقراطية ـ بنسختها اللبنانية ـ يظهر أن السعي إلى تعزيز الموقع السلطوي، هو أقوى فعل معارض!

فما أن صدرت النتائج الرسمية للانتخابات النيابية في لبنان، حتى سارعت جميع الأطراف المعنية إلى المطالبة بقطعة لها من الكعكة الحكومية، مما دفع سعد الحريري، رئيس الحكومة المكلف للمرة الثالثة، إلى إطلاق طرفة باتت كلاسيكية: "إذا أردنا أن نلبي طلبات الجميع، فسوف نكون أمام حكومة من ستين وزيرا".

ما يلفت الانتباه أن أحدا لا يريد أن ينضم إلى المعارضة، أو بالأصح، أن يسعى إلى تشكيل قوة نيابية معارضة، على الرغم من أن ثمة قوى يمكنها أن تأخذ خارج الحكم حجما كبيرا بالمقارنة مع الحجم الممكن أن تحظى به داخله، خصوصا وأن ما تطلقه من شعارات سيادية وما تتحدث به عن برامج إصلاحية وما تعهدت به من نهج مساءلة، تليق به المواجهة وليس الموالاة.

ما يشكو منه لبنان ليس من نتاج الصدفة، بل هو من نتاج العجز بفعل "الموت السريري"

هذا الواقع، يدفع إلى محاولة الإجابة عن سؤال يختصر الكثير من المعطيات التي تتحكم بلبنان حاليا: لماذا باتت المعارضة مرذولة إلى هذا الحد؟

ثمة من يبسط المسألة، فيتحدث عن أن القوى السياسية في لبنان تعبت من المواجهة مثلها مثل عموم الناس، وليس أدل على ذلك أن هؤلاء، وفي الانتخابات النيابية الأخيرة، أعطوا "الأقوياء" أصواتهم سواء بطريقة فاعلة من خلال الاقتراع أم بطريقة سلبية من خلال مقاطعة صناديق الاقتراع، فيما لم يحصل المغردون خارج السرب، أي تحالف "المجتمع المدني" الذي تعهد في برنامجه الانتخابي تشكيل معارضة قوية، سوى على مقعد واحد تشغله حاليا النائب بوليت ياغوبيان التي بانت باكرا أدلة تهميشها وتهشيمها، ولو أن قدرتها على اختراق الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، مثلها مثل دخان السجائر، تخفي بدايات "الالتهاب".

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان وأوروبا وأحدث العقوبات

ولكن من يعمق نظرته إلى مبررات "رذل المعارضة" في مقابل التطلع إلى المشاركة في الحكومة، يرى أن المسألة تكمن في مكان إشكالي له تداعيات ليست بسيطة: "الموت السريري" لفكرة المعارضة في لبنان.

وأسباب "الموت السريري" كثيرة، في لبنان.

في المنطق الديمقراطي ـ وليس الثوروي ـ لا تستطيع أن تلعب المعارضة دورا رائدا إلا من خلال مؤسسات فاعلة ومتفاعلة.

وهذا غير متوافر في لبنان.

ذلك أن التجربة المديدة بينت أن المجلس النيابي يتقزم دوره في المناقشة والمساءلة متى كانت الحكومة تضم غالبية مكوناته عموما والقوة التي ينبثق عنها رئيسه خصوصا.

والحكومة الجديدة لن تتشكل إلا إذا حازت على رضى القوى التي ينبثق عنها نبيه بري، رئيس المجلس النيابي المنتخب للمرة السادسة على التوالي.

وما يصح على المجلس النيابي يسحب نفسه على سائر مؤسسات الدولة. فالقضاء ليس سلطة مستقلة، بل لا يزال يعاني بفعل التدخلات السياسية وعمليات المحاصصة الطائفية من شلل كبير على مستوى القدرة على تقييم أي اعوجاج أو معالجة أي فضيحة. وهذا يفيد بأن المعارضة، مهما فعلت، لن تجد من يلاقيها في الطرف الآخر؛ فكشف ملف فساد، مثلا، يبقى وجهة نظر إذا لم يجد جهازا فاعلا يأخذه إلى مستوى المساءلة.

كما أن المعارضة لن تلقى آذانا صاغية في المجتمع الدولي، لأن الحكم اللبناني يملك القدرة على امتصاص كل استياء من خلال الالتزام بدفتر الشروط المنوط به، وفي مقدمه حفظ الاستقرار الموصوف بالهش، مما يمنع، مثلا، أي إخلال بملف إيواء اللاجئين السوريين في لبنان.

وقبل كل ذلك، فإن طبيعة النظام اللبناني تفترض وجود معارضة تضم كل ألوان الطيف اللبناني، فأي معارضة يغلب عليها لون طائفي معين، يسهل اصطيادها من خلال إثارة النعرات الطائفية.

القضاء ليس سلطة مستقلة، بل لا يزال يعاني بفعل التدخلات السياسية وعمليات المحاصصة الطائفية

وفي المعطيات اللبنانية الحالية، لا مجال لتشكيل معارضة عابرة للطوائف. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لو قرر "حزب القوات اللبنانية" أن يعارض فهو لن يجد حليفه السني الطبيعي، أي "تيار المستقبل"، ولا حليفه الدرزي الموضوعي، أي الحزب التقدمي الإشتراكي"، ناهيك بأن مشكلته لا تزال ضخمة مع "الثنائي الشيعي"، في حين أن غالبية الشخصيات التي تزعم الاستقلالية إنما هي حليف بالتبعية للقوى المناهضة لهذا الحزب.

اقرأ للكاتب أيضا: '... ولكن خسرنا!'

وفي المعطيات الإقليمية، ليس ثمة ما يؤشر الى إمكان أن يمر لبنان، بفترة "ترف"، فإعادة ترتيب النفوذ في المنطقة، يجعل جميع القوى تلجأ إلى الحكومة لتحمي رأسها من المتغيرات، فالحديث المتزايد عن صفقة روسية ـ إسرائيلية تعيد لبشار الأسد نفوذه الكامل على سورية في مقابل إخراج إيران، ستكون له ارتدادات كبيرة على لبنان، في حال وصلت هذه الصفقة إلى خواتيمها سالمة.

وفي الختام، فإن الحكومة اللبنانية تبدو لجميع القوى المكان الأنسب لتنظيم معارضة منتجة وغير مكلفة، ذلك أن الانضمام إلى الحكومة لا يجعل منك مواليا حكما، على اعتبار أن مفهوم "فريق العمل" لم يدرج بعد في قائمة المعايير اللبنانية لتشكيل الحكومة، الأمر الذي يتيح لكل قوة "موزّرة" أن تلعب دورا مشاكسا تستعيض به عن كل حاجة إلى المعارضة.

بناء عليه، فإن ما يشكو منه لبنان ليس من نتاج الصدفة، بل هو من نتاج العجز بفعل "الموت السريري"، في حين أن الانتظام الديمقراطي وحده قادر على رسم خط بياني بين الصح والخطأ، وبين الإصلاح والإفساد، وبين قوة هالكة وقوة واعدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG