Accessibility links

استفزاز مشاعر المسلمين "المرهفة"!


أقباط مصريون، أرشيف

بقلم ماهر جبره

تجمع أهالي قرية الماريناب في شمال أسوان، في 30 سبتمبر 2011، بعد صلاة الجمعة غاضبين، ثم اتجهوا إلى مبنى كنيسة مارجرجس وأشعلوا فيه النيران وهم يصيحون "الله أكبر". بدأت هذه الأزمة عندما حاول مسيحيو القرية تجديد مبنى كنيسة، كان مبنيا بالطوب اللبني وبدأ يتصدع. ولكن بعد الحصول على التصاريح اللازمة، رفض مسلمو القرية ذلك، بحجة أن المبنى كان مضيفة ولم يكن كنيسة.

في البداية طالبوا بإزالة الصليب والجرس والميكروفونات. وافق المسيحيون بعد ضغط شديد. بعدها طالبوا بإزالة القباب، وافق المسيحيون أيضا خوفا من هدم الكنيسة. ولكن، قبل أن يحاول العمال إزالة القباب، حرق مسلمو القرية الغاضبون المبنى. وعندما سألنا لماذا: رد مأذون القرية الشيخ محمد موسى قائلا، لم يعتد الأهالي على رؤية كنيسة في قريتهم، وقد استفز ذلك مشاعر المسلمين!

وفي 24 يونيو 2013، تجمهر أهالي زاوية أبو مسلم بالجيزة حول أحد البيوت وبدأوا في قذفه بالطوب ثم النيران. ثم سحبوا أربعة أشخاص خارج المنزل وقاموا بضربهم وسحلهم حتى الموت. كان من بينهم الشيخ الشيعي حسن شحاته. وعندما سألنا لماذا؟ قالوا إنهم يقيمون شعائر شيعية ويسبون الصحابة، وقد استفز ذلك مشاعر المسلمين!

وفي فبراير 2006، خرج مئات المسلمين في مظاهرات عارمة منددين بالحكومة الدانماركية ومطالبين باعتذارها وقطع العلاقات معها، بل وصل الأمر إلى إضرام النار في السفارة الدانماركية في سورية ولبنان. والسبب صور رسمها رسام كاريكاتير في نهاية 2005، وقد استفز ذلك مشاعر المسلمين!

يمكنني الاستمرار في سرد عشرات الأمثلة، ولكني أعتقد أن الرسالة واضحة. فأحيانا، ممارسة الآخرين لحقوقهم، تستفز مشاعر المسلمين. تجديد مبنى كنيسة متهالك يستفز مشاعر المسلمين. ممارسة بعض المسلمين الذين ينتمون لطائفة أخرى (الشيعة) لشعائرهم يستفز مشاعر المسلمين (السنة). وبالطبع تعبير ساخر من أحد الرسامين عن الإسلام يستفز مشاعر المسلمين.

والسؤال هنا ببساطة هو، لماذا وحدهم المسلمون الذين يتم استفزازهم من أفعال لا تستفز أصحاب العقائد الأخرى؟ لماذا مثلا لا يتجمع الأميركيون حول المساجد ويحرقونها لأنها تستفز إيمانهم بالإنجيل، الذي ينكر نبوة النبي محمد؟ لماذا لا يخرج مسيحيو مصر في مظاهرات غاضبة بسبب الكتب التي تنتقد أساسيات العقيدة المسيحية؟ والتي تملأ أرصفة مكتبات وسط البلد في القاهرة، ككتب الداعية أحمد ديدات الذي طالما هاجم مفاهيم مثل صلب أو ألوهية المسيح (عيسى). ولماذا مثلا لا يخرج الدنماركيون المسيحيون مطالبين بإغلاق نفس الجريدة التي نشرت هذا الصور في 2005؟ والتي طالما نشرت عشرات بل مئات الرسوم الكاريكاتورية التي تنتقد وتسخر من بابا الفاتيكان والمسيحية بل ومن المسيح نفسه؟

دعني أجيبك ببساطة. أنا ولدت وتربيت في مصر، وقد تربينا على أن المسلمين خير أمة. تعلمنا أن من رأى منكم منكرا فليغيره، أما بيده أو بلسانه أو بقلبه وهذا أضعف الإيمان. نشأنا على مناهج تعليمية لا تحوي جملة واحدة عن معتقدات حوالي نصف سكان العالم ممن لا يؤمنون بالأديان الإبراهيمية. درسنا جميعا مسلمين وغير مسلمين مناهج دراسية تحوي آيات من القرآن وأحاديث من السنة، في حين أنها لا تحتوي على آية واحدة من الإنجيل أو التوراة.

تربينا على أن الآخر علي خطأ وأننا فقط على صواب. بل بوضوح أكثر تربينا علي نفي وإقصاء الآخر. فالسينما المصرية أنتجت عام 1954 فيلما اسمه "حسن ومرقص وكوهين". وبعد أكثر من نصف قرن، سنة 2008، أنتجت السينما نفسها فيلما اسمه "حسن ومرقص" فقط! نعم، فقد تم نفي وإقصاء كوهين. فهل بعد عقود قليلة ستنتج فيلما اسمه "حسن وبس وإذا كان عاجبكم!"؟

في يوليو 2009 قامت مظاهرات غاضبة في القاهرة منددة بمجرم حقير، طعن امرأة مصرية مسلمة كانت تعيش في ألمانيا حتى الموت، بسبب حجابها. وقتها تكلم عشرات السياسيين المصريين عن ضرورة احترام الأقلية المسلمة في أوروبا.

ولكن في أبريل من العام نفسه، عندما حرق أهالي قرية الشورانية بمحافظة سوهاج بيوت جيرانهم المصريين بحجة أنهم بهائيون، أخرسّت ألسنة جميع السياسيين، ولم يصدر أي منهم تصريحا واحدا لإدانة ما حدث، وكأن البهائيين ليسوا بشرا!

الملفت أكثر للانتباه في هذه المفارقة، أن من قتل مروة الشربيني عوقب بأقصى عقوبة في القانون الألماني وهي السجن مدى الحياة، كما أن أنغيلا ميركل اعتذرت شخصيا للرئيس المصري آنذاك حسني مبارك. بل وأنشأت ألمانيا نصبا تذكاريا لما حدث تنديدا بالكراهية.

ولكن في المقابل لم يُحكم على أي ممن حرقوا بيوت البهائيين وهم بداخلها أحياء ولو بشهر واحد في السجن! بل، بدلا من أن يُحاسب الصحافي، جمال عبد الرحيم، الذي حرض على قتل البهائيين على الشاشات عندما قال "البهائيون مرتدون…. ويجب قتلهم"، تم ترقيته وأصبح رئيس تحرير جريدة الجمهورية، وهي واحدة من أكبر الصحف الحكومية في مصر.

نصرخ بأعلى صوت، إنهم يضطهدون المسلمين في الغرب، لو قال أحدهم كلمة سيئة لامرأة محجبة في الشارع. في حين أننا نصمت تماما على أن هناك ثلاث عشرة دولة في العالم، كلها دول إسلامية، تحكم على من يترك الإسلام بالإعدام.

نصرخ إنهم يحاربون الإسلام، لأن سويسرا في 2009 رفضت بناء المآذن، وليس المساجد. في حين أننا نتعامى عن أنه لا يوجد من الأصل ولو كنيسة واحدة في السعودية. وفي حين يقف المسلمون في شوارع الغرب ليعلموا الناس عن الإسلام ويوزعون القرآن بحرية تامة، يصف القانون المصري التبشير بالمسيحية على أنه جريمة، يعاقب عليها القانون!

أي ازدواجية معايير هذه؟ وأي نفاق هذا؟ نطالب العالم أن يتقبلنا وألا يخاف منا. ونصف كل من يشير إلي عيوبنا بأنه عنصري ولديه إسلاموفوبيا، في حين أننا نرفض أن نطبق علي أنفسنا ما نطالب به الآخرين!

والسؤال هو: أما آن الأوان أن ننظر في المرآة ولو قليلا ونواجه أنفسنا؟ لندرك أننا لسنا وحدنا على هذا الكوكب! أما آن الأوان أن نتعامل مع اختلاف أفكار وعقائد البشر بل ووجهات نظرهم في مقدساتنا على أنها جزء من طبيعة الحياة وليست اعتداء أو استهزاء!

ــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG