Accessibility links

عن التحرش وشجونه.. أنا أيضا


احتجاجات ضد التحرش الجنسي في مصر-أرشيف

بقلم كوليت بهنا/

لم يكن مستغرباً أو مفاجئاً عدم التفاعل العربي المطلوب مع الحملة العالمية ضد التحرش، التي أطلقت قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي. وهي حملة نسبت إلى تغريدة أطلقتها الممثلة الأميركية (أليسا ميلانو) مطالبة جميع مستخدمي مواقع التواصل الذين تعرضوا لتحرش، استخدام وسم (#Metoo) وكتابة تجاربهم بغرض لفت الانتباه إلى خطورة وحجم هذه المشكلة. وبدا قلب العالم الافتراضي مع استجابة نجوم وشخصيات عالمية أو عادية للحملة، مكسوراً مع سيل القصص التي سُردت مخلّفة وراءها ندبات عميقة في الأرواح لم ينج منها الرجال، وإن كان النصيب الأكبر منها للنساء.

عربياً، اكتفت نسبة خجولة من السيدات المثقفات والناشطات النسويات، وكذلك نخبة من الرجال الداعمين لقضايا المرأة، بالتفاعل مع الوسم الذي ترجم إلى (أنا أيضاً) وشرح أهمية التفاعل معه كخطوة أولى للحد من المشكلة مستقبلاً. وسردت هذه السيدات ذكريات متشابهة إلى حدٍ ما عن تحرش حدث في مرحلة ما من حيواتهن، وتجرأت أشجعهن وطالبت ألا تكتفي الحملات القادمة ضد التحرش بتسجيل أسمائهن كضحايا له، بل بذكر أسماء المتحرشين علناً وصراحة وفضحهم وسوقهم للعدالة.

أما النسبة الأكبر من النساء فقد اختفين عن العالم الافتراضي خلال أيام الحملة أو تجاهلنها لسبب واضح ومبرًّر هو الخوف، إذ إن مشاركة وسمٍ كهذا تعني تعريض أنفسهن إلى (الشبهة) بين أسرهن ومجتمعاتهن التي تراقب أنفاسهن في الحياة العادية والافتراضية، وفتح باب الجحيم عليهن من حيث الشك أولا بالعذرية (حتى لو كانت متزوجة منذ سنوات) جراء أي تحرش يذكرن أنهن تعرضن له، ومن ثم إرغامهن على اعترافات أو تطليقهن أو سوقهن للفحص النسائي، وربما حرمانهن من متابعة التعليم أو الذهاب للعمل أو الخروج من المنزل أو إلى ما لانهاية من السلوكيات المضادة اتجاههن. باختصار قد يوسمن بالعار الذي يجيز قتلهن، ويتحولن إلى ضحايا مرتين.

التحرش الذي تجرّمه أغلب القوانين العربية وتقضي بسجن المتحرش بحسب نوع التحرش مدة لا تقل عن ستة أشهر مع غرامة مالية، يحدث داخل البيوت على يدي أحد ذكور العائلة، أو في الشارع والمدارس والمواصلات وأماكن العمل وغيرها. ويمكن القول إن نحو 99 في المئة من الحالات مسكوتٌ، لا تفصح عنها الضحايا لا لقريب ولا لغريب، بسبب الجهل العلمي والقانوني، والخوف الاجتماعي، والخوف من الجاني وخاصة إن كان صاحب سلطة أو يمتلك حصانة ما. وفي هذا الإطار أدى الضغط والرقابة على وسائل الإعلام إلى مزيد من التدهور عبر التعتيم على تقارير صحافية أو منع عرض أعمال درامية تتعلق مثلا بانتهاكات وتحرشات تحدث من قبل نافذين أو أساتذة جامعيين يساومون طالباتهن خلال الامتحانات. كما أدى التواطؤ القانوني في حالات كثيرة مع المتحرشين أو المعتدين جنسياً، واعتبارهم مهووسين أو مرضى، وعدم تجريمهم وعقابهم، إلى تعزيز عدم الجدوى بالتشكي، الأمر الذي فاقم عدم الثقة بنزاهة القانون الذي قد تتورط بعض عناصره أحياناً بجرمٍ مشابه، إذ تعرضت نساء كثيرات قدمن شكاوى تحرش لتحرشٍ مماثل من قبل عناصر من الشرطة أو احتقارٍ لفظي أو ابتزاز بفضحهن. كما أن نسبة التحرش ترتفع حدّتها من جهة عناصر حكومية أو غير نظامية خلال الحروب وحالات التمرد الشعبية لإذلال المعتقلين (نساء ورجالاً) وكسر كراماتهم وكرامة مجتمعاتهم.

التحرش آفة عالمية، نحن أيضاً مصابون بها، علاجها الجدّية بتفعيل القوانين العربية وآليات تنفيذها ومراقبتها كما تفعل القوانين الغربية، وتمكين المرأة وتنمية المجتمع الشاملة والمستدامة، إذ إن الإنكار المستمر والادّعاء المزيف بحصانة مجتمعاتنا لا ينقصه إلا اختراع وسم كاذب بأنه (لا مشاكل لدينا#).

--------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG