Accessibility links

الهجرة كمحرك للحضارة


عائلة سورية هاجرت إلى ألمانيا

بقلم جمال أبو الحسن/

الهجرة ظاهرة قديمة وممتدة. في العالم اليوم 244 مليون مهاجر، يُضاف إليهم ستة ملايين لاجئ. المهاجر هو شخص انتقل طوعاً من البلد الذي وُلد وعاش فيه إلى مكان آخر، غالبا لأسباب اقتصادية. اللاجئ هو شخص أُكره على ترك موطنه الأصلي، هربا من بطش أو خوفا من على حياته، أو طلبا للأمن. المهاجرون واللاجئون معا يلعبون اليوم دورا أساسيا على مسرح السياسة الدولية. كثير من التغيرات الكبرى التي تُداهم عالمنا لها علاقة بظاهرة الهجرة: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. صعود الأحزاب اليمينية التي تُهدد بتغيير شكل الاتحاد الأوروبي. فوزر ترامب بالرئاسة الأميركية .. إلخ.

تأثير المهاجرين والهجرات ليس أمرا طارئا أو جديدا على العالم. لاحظ أن القوى العظمى في عالم اليوم هي أمة من المهاجرين تعود بدايات تكوينها الأولى إلى القرن السابع عشر. الهجرة في عصرنا صارت أسهل. المسافات تقلصت بفعل وسائل المواصلات. والحواجز ـ بما فيها النفسية - تداعت بواقع انتشار تكنولوجيا الاتصال. الناس اليوم أكثر تقبلا لفكرة العيش في مكان آخر غير ذلك الذي وُلدوا فيه. في عام 2007 صارت أغلبية البشر ـ ولأول مرة في التاريخ - من قاطني المدن. سكان المدن أقل ارتباطا بالمكان الذي ولدوا فيه مقارنة بقاطني القرى والبلدات الصغيرة. اليوم، يندر أن تصادف بلدا خاليا من جماعات من المهاجرين. علاقة هذه الجماعات المهاجرة بالمجتمع المضيف قد تكون سببا للتوتر، أو دافعا مهما للتطوير والتحديث. التاريخ زاخر بنماذج من هذا وذاك. الامتزاج بين المهاجرين والمجتمعات المستقبلة يساعد – في أغلب الأحوال- على نقل الخبرات وتبادل الأفكار وأنماط السلوك. المجتمع الذي يضم مهاجرين هو في الغالب أكثر تسامحا وتقبلا للجديد.

وليس صدفة أن التاريخ الإسلامي يبدأ ـ حرفيا - بواقعة هجرة الرسول (ص) من مكة إلى المدينة. في الإسلام على وجه الخصوص ما يشبه التحريض على الهجرة: "قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟!" (سورة النساء، الآية 97).

والحال أن تحركات البشر بطول الكوكب وعرضه هي أكبر صانع للحضارة. بنو الإنسان انطلقوا من إفريقيا (الهجرة الأولى) لينتشروا في الأرض كلها. ساقتهم أقدامهم إلى مناطق بعيدة وعجيبة؛ وصلوا إلى استراليا قبل عشرات الآلاف من السنين، ثم إلى شمال أمريكا منذ 15 ألف عام، ثم إلى أمريكا مرة أخرى منذ القرن السادس عشر.

لابد أن يكون المرء من عشاق الهجرة حقا حتى يترك مناطق الدفء ـ طوعا - ويعبر الجسر البري الذي كان قائما بين أوروبا وشمال أميركا، أو يخوض غمار البحر لمئات الكيلومترات من آسيا إلى الجزر الأسترالية!

فكرة الهجرة كانت مُركبة في جينات البشر منذ البداية. عرف الإنسان الاستقرار في القرى والمدن مع الزراعة منذ ما يقرب من عشرة آلاف عام فقط. إنها فترة لا تقارن بعمر الإنسان العاقل على الأرض والتي تقدر بنحو 200 ألف سنة. في هذه الفترة الطويلة لم يعرف الإنسان معنى الاستقرار في بقعة محددة. كان يعيش في حالة من المطاردة المستمرة لما يمكن أن يصطاده أو يلتقطه، وكان ـ في الوقت ذاته - مطاردا بنوازل التغير المناخي وكوارث الطبيعة المتكررة.

جيناتنا الأصلية ليست جينات استقرار، وإنما حركة وهجرة. الثورات الزراعية والصناعية هي شيء حديث للغاية في تاريخ البشر. وعينا البدائي يرى في الأرض كلها وطنا وسكنا. وعينا الحديث هو الذي يربطنا بالقرية والمدينة والدولة.

الهجرات البشرية لم تتوقف منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. بمعنى من المعاني، يمكن النظر إلى التاريخ البشري بوصفه سلسلة متتابعة من الهجرات. بعض هذه الهجرات حمل الحضارة والنور من مكان إلى مكان. بعضها هدم المدنية وقضى عليها. أغلبيتها الكاسحة ارتبطت بنزاعات وصراعات دامية.

إذا نظرت مثلا، إلى حدث محوري مثل انهيار الامبراطورية الرومانية، ستجد أنه مرتبط بموجات من التحركات البشرية (أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الميلادي) من منطقة البحر الأسود صوب الامبراطورية الرومانية الشرقية، ثم في اتجاه مركز الامبراطورية في روما. البرابرة ـ كما سماهم الرومان - كانوا قوما من القوط تزعمهم "آراليك". هدفهم في البداية لم يكن اخضاع الامبراطورية بقدر ما كان الحصول على مكان بين ظهرانيها. كانوا يريدون أن يصبحوا رومانا! عندما رفضت روما، حاصر "القوط" المدينة، ثم نهبوها في 410 ميلادية. وكانت تلك هي بداية نهاية الامبراطورية الرومانية.

لابد أن الأوروبيين يستحضرون هذا التاريخ وهم يشاهدون نوعا آخر من الهجرات تُداهم البحر المتوسط خلال الأعوام الأخيرة المنصرمة في ما وصف بـ"إنه أكبر تحرك بشري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".. على حد وصف منظمة الهجرة العالمية للحرب الأهلية السورية. ذلك النزاع الوحشي أسفر عن خروج نحو خمسة ملايين شخص من سوريا. من بين هؤلاء أطباء ومهندسون ومحامون.. بشر لديهم أحلام وطموحات في المستقبل، ومستعدون للمغامرة بأي شيء للتسلل إلى الاتحاد الأوروبي..."ليصبحوا رومانا"!

ـــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG