Accessibility links

في وداع مبدع كبير طار فوق "عش الكوكو"


المخرج الراحل فورمان خلال عرض فيلمه "أحدهم طار فوق عش الكوكو" في نيويورك عام 2011

بقلم كوليت بهنا/

في الثالث عشر من نيسان/أبريل المنصرم فقدت السينما الأميركية والعالمية المخرج الكبير وصانع الأفلام التشيكي ـ الأميركي يان توماس فورمان الذي عرف باسم ميلوش فورمان عن عمر ناهز 86 عاما، تاركا خلفه إرثا عظيما من الأفلام الخالدة التي حصدت أهم الجوائز العالمية في مهرجانات "برلين و"كان"، و"غلودن كلوب" و"سيزار" و"بافتا".

كما نال فورمان جائزة "أوسكار" مرتين كأفضل مخرج، مرة عن فيلمه "أماديوس" 1984، وقبلها عن فيلمه الأكثر شهرة "أحدهم طار فوق عش الكوكو" 1975، الذي حصد جوائز الأوسكار الخمس الكبرى، وهو إنجاز سينمائي لم يحدث في تاريخ السينما إلا مرتين، الأولى مع فيلم "حدث ذات ليلة" 1934، ولاحقا مع فيلم (صمت الحملان)1991، إضافة إلى تسمية دار سينما باسمه تكريما له في التشيك، وإطلاق اسمه على كويكب "11333 فورمان" تم اكتشافه عام 1996.

كل يوم يولد "ماكمرفي" جديد في واحدة من دول العالم القمعية ويموت ليطير غيره في شغف مستمر للحرية التي لا تموت

إن نظرة سريعة على حياة فورمان في موطنه الأصلي في التشيك كواحد من مخرجي "الموجة التشيكية الجديدة" في ستينيات القرن الماضي إبان "ربيع براغ" ومقارعته الدولة الشيوعية ثم هجرته للولايات المتحدة قبيل اجتياح حلف وارسو العسكري لبراغ 1968، وقبلها طفولته القاسية التي قتل خلالها والداه في معسكرات الاعتقال النازية، كافية أن تفسر سر نجاح الرجل وهويته التي حافظ عليها في موطنه الأميركي الجديد وساهم مناخ هوليوود الحر والرحب في تنميتها كبصمة متفردة.

اقرأ للكاتبة أيضا: العنصرية ومناهضوها

وفي تفسير تألقه في فيلمه "أحدهم طار فوق عش الكوكو"، الذي عرف عربيا باسم "طيران فوق عش الوقواق" واختير من قبل معهد الفيلم الأميركي ليكون أحد أفضل مئة فيلم في التاريخ وتوجه في قمة النجاح والشهرة، تتضح أكثر معالم تأثير سيرته الذاتية على إبداعه وكل هذا الجنوح والشغف نحو البحث عن الحرية التي تسلك مسالك متنوعة تتشابه في الجوهر، ما يوقع طالبيها بمتاعب مختلفة، خصوصا عند الصراع مع الأنظمة وهياكل السلطة التي وضعها الإنسان بنفسه؟

يتحدث الفيلم المقتبس عن رواية للأميركي كين كيسي عن مصح نفسي كبير يضم عددا من النزلاء الذين يبدون ظاهريا مرضى يعيشون ضمن نظام خاص شديد الصرامة يشرف عليه طبيب وفريق تمريض على رأسهم الممرضة "راتشيد". وقد لعبت الدور الممثلة لويز فليتشر وبدت كملاك لشدة رقة ملامحها وهدوئها الخارجي، وتحولت لاحقا لتكون إحدى أشهر الشخصيات الشريرة في تاريخ السينما، حيث وصف فورمان هذه الشخصية الأنثوية المستبدة بقوله: "لقد كان الحزب الشيوعي هو الممرضة التي أتبعها".

سينجح أحدهم بتحقيق حلمه بالحرية والخروج من أسوار المصح وأسلاكه الشائكة

مصح تنقلب فيه الأمور رأسا على عقب مع مجيء النزيل الجديد "ماكمرفي" ولعب الدور النجم العالمي جاك نيكسلون الذي ادعى الجنون ظنا منه أن المصح أرحم من السجن، وبعد أن اعتبرت إدارة السجون أنه خطر على المجتمع فأحالته إلى المصح ليتم إصلاحه. يكشف "ماكمرفي" عن طبيعته كإنسان سوي نفسيا ومرح ومحب للحياة والناس، وغير قابل للتدجين ضمن قوانين قاسية تسلب المرء إنسانيته وتوقه للحرية، فيبدأ بالرفض والتحريض على التمرد من أجل تحسين الظروف التي يعيش فيها نزلاء المصح.

اقرأ للكاتبة أيضا: عن التخصص وضروراته: الفنون نموذجا

باختصار، لن تستهوي إدارة المصح ما يفعله هذا المتمرد المزعج ونجاحه في التأثير على زملائه الذين يجبرون على ابتلاع العقاقير الطبية التي تخدرهم بشكل دائم لتسهل السيطرة عليهم لاحقا، كما تجعلهم مرضى يخضعون لمرضهم بإرادة كاملة، ويتم ضبط التمرد العام عبر معاقبة مثيريه وفي مقدمهم رأس الفتنة "ماكمرفي". وستكشف أساليب القمع والعقاب المتبعة صورة القمع الحقيقية للمصح ويتكشف الوجه السلطوي والشمولي الشرس للفريق الطبي ومقدرتهم على تدمير الأسوياء.

ولاحقا لا تذهب محاولات "ماكمرفي"، الذي يموت تحت التعذيب، في زرع الأمل والتوق للحرية والخلاص سدى، وسينجح أحدهم بتحقيق حلمه بالحرية والخروج من أسوار المصح وأسلاكه الشائكة والهروب إلى فجر جديد ينتظره هناك خلف الأفق.

ومنذ أن طار أحدهم فوق "عش الكوكو"، كل يوم يولد "ماكمرفي" جديد في واحدة من دول العالم القمعية ويموت ليطير غيره في شغف مستمر للحرية التي لا تموت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG