Accessibility links

بقلم رابح فيلالي/

أتراك الآن تشعرين بي كما هو العهد بك أبدا في الغياب والحضور...

أتراك الان تدركين الزمن في كما كان العهد بك وفيك دوما...

أتراك تشتاقين لتمرير أصابع يديك على وجهي وتلمسين ظهري في مواطن مواجعه

أتراك تعرفين مواطن البرد في الجسد، وقدرة ذبذبات أناملك وحدها على تدفئة المناطق الباردة من القلب...

يبرد القلب أيضا يا ميمة وأنت امرأة عشت بقلبك ولم تتخل عنه يوما

بحسابهم يا ميمة مضى على يوم غيابك خمس سنوات كاملة بحرّها وقرها وبردها وصيفها... هي خمس وكأنها واحدة يا ميمة... لأن كل الغياب منك غياب وكل الحضور من بعدك غياب يا ميمة...

الناس هنا يذكرونك قليلا. الوفاء في ألسنة الناس حالة شاذه الحدوث وقليل من يتعثر للاعتراف بها... لكن أنا لا أنساك في كل لحظة ومحطة وقهوة وطائرة وقطار.

ألم نكن شركاء في الوجع والحلم وقطع الكسرة ورائحة القهوة الزكية في الصباحات الباكرة التي تختلط فيها رائحة البن المنبعثة من موقد نارك الحطبي في كل أرجاء بيتك الطوبي بدعواتك وصلواتك التي لا تنقطع.

يا ميمة

أنا على العهد الذي بيننا. أعود إلى ذلك البيت الطوبى وأبحث عن أثرك في كل زاوية ومكان.

كل الأشياء في مكانها... إناء وضوئك وسجاد صلاتك وفراش نومك وثيابك في خزانتك. قطعة صابونك الأخيرة وفوطة يديك وعصاك، التي توكأ عليها أبي في وهنه الأخير قبل أن تركني إليها أنت، بخطوك الخجول عندما خانتك الحياة هنا.

لم أكن أعرف قبل فقدك أن للأشياء قلب وذاكرة. وأن للأمكنة أرواح تعانق بها من تحب ومن أطعموها قوت الإخلاص.

عرفت ذلك وأنا ألتمس الحزن في زيتوناتك التي حزنت لفقدك وانقطع حبلها لسنتين، ولشجرة التين التي بات ورقها يصفر قبل خريفها المرتقب ولا تين يغمرها من رأسها إلى خصر منبتها، وصياح الديك الذي ما إن يبدأ حتى لا ينقطع عند أي خطو يقترب من محل استراحته اليومية.

صديقاتك من النساء الطيبات لا زلن هنا... ماتت مسعودة جارتك المفضلة. هي أيضا أقعدها المرض طويلا ولم تملك قوة لمنعه عن قهرها وهي المرأة التي قهرت كل الالام في حياتها، حتى ذلك الأم الذي تعرفينه، والمتعلق بعجزها عن الإنجاب. وراحت تبحث عينيها في وجه كل طفل من حولها عن ابن حلمت به ولم يحدث في رحمها فوزعت رحمتها علينا جميعها وكنت أنا صاحب النصيب الأكبر بين أطفال القرية جميعا.

ماتت مسعودة. وتزوج زوجها مسعود من امرأة ثانية جاءت هي الأخرى من قرية أخرى بعيدة. هي لا تعرفك، لكنها تعرف من كل حديث للناس هنا أنك كنت هنا وكنت آية من الله في طيبتك وفي حنانك الذي يصنع اخضرار الورق في فناء بيتك ويطال كل طارق لبابك وكل سائل لحاجة عند عتبة قلبك.

مسعود تزوج يا ميمة.

لأن الرجال يقولون دوما أن يتمهم في شيخوختهم مؤذي لأعمارهم وقد يرحلون في مواعيد أبكر من المفترضة لرحيلهم لذلك عادة ما يحاولون استدراك الفائت من أعمارهم بالزواج من نساء أصغر عمرا من أعمارهم وأكثر رغبة في الحياة منهم.

ذلك البيت الذي صانته مسعودة بصبرها الخرافي تحول إلى بيت من اسمنت تضيئه الكهرباء في المساءات الباردة في القرية لكن بروح أخرى غير روح مسعودة. تلك المرأة التي كنت أناديها تحببا وتلطفا وإدراكا مني لحجم الجرح في قلبها "با با" بضم الباء وكم كان يسعدها أن يسبق هذا التوقير اسمها وأن ترى الطفل يكبر ويصير رجلا وهو يحتفظ لها برفعة المقام في نفسه دوما يا ميمة.

يا ميمة...

الحاج صالح ذلك الرجل الذي تجاوز القرن بقليل لا يزال يصلي الجمعة في جامع القرية. مات أبناؤه وبعض أحفاده، ولا يزال هو صامدا راغبا في الحياة مسالما تماما كما تعرفينه، محبا للناس وقلبه قلب صبي حتى وهو رجل يعيش بصبر قلب النبي أيوب وهو يشهد على الفقد بعد الاخر في حياة فلدات كبده وأحفاده.

أتعرفين يا ميمة... أتذكر وأنا أنظر إليه ما كان يقوله لي والدي دوما إن اليتم ليس أن تفقد أباك أو أمك فذلك يُتم يعرفه الناس ويعرفون العلاج منه؛ أما ذلك اليتم الذي يحدث في فلدات الاكباد فلا شفاء منه... إنه فقد لا يشبه الفقد يا ميمة.

يقول أبي ذلك وكعادتك أنت في وقارك المعهود تفضلين التتنية على كلامه والموافقة بأحناء رأسك إلى الأسفل!

هو عهدك يا ميمة في ألا تقولي كلمة سيئة في حضرة أبي حتى لو أكلك الوجع في داخلك وفتك بصبرك ومع ذلك تكابرين بصبرك.

تقولين لي دوما أن الكلمة الطيبة صدقة لأن مشاعر الناس عندك كانت كبيرة المقام والمعنى. يطعنك الاخرون مرة ومرات وتهربين دوما إلى صمتك لأنه لغتك التي لا تخونك أبدا. ظل صمتك أفضل كلامك وأجمل التعابير التي يمكن أن تصدر عن قلب أنثى.

ايه يا ميمة

تتوحد الأمكنة في ظل غيابك في أحجارها، أما روحها فغابت معك. تستعجلني الطائرات وتسحرني المطارات في العادة وانا أمني القلب بلحظة عناقك.

لم يعد هناك شغف للحظة تلك، لأنك لست هنا ولا هناك.

في كل زيارة إلى بيتنا يا ميمة كان حضنك يحتويني ويسعني بكل ألمي ووجعي وخيباتي وإيماني بالمستحيل الآتي.

في حضنك أعيد بناء ذاتي وترميم العالم مجتمعا بداخلي...

أتوق إلى حضنك بكل شغف الانسان وأحلم به في أجمل تفاصيله وأخبر مسامات صدري أن عطرا من أمي سيعبرها وأنا أحضنك...

قُبلك التي كانت تعبر وجهي ورأسي عرفانا منك ومحبة خرافية لم تعد تحدث يا ميمة... حتى قُبل أطفالي وهي الهدية البهية من الله لا تشبه قبلك.

في العادة ينفتح الباب واسعا على حضنك ودمعتك ودعواتك وصلواتك وكلمة الغالي التي لا تفارق شفاهك أبدا...

الآن لا شيء من كل ذلك سوى خيوط العنكبوت تنتظرني على عتبة الباب تلفح وجهي في قساوة مفرطة الحدوث أمزقها وأعبر إلى الداخل وأنت كل الداخل...

كل شيء في مكانه. حاضر جامد من غير حياة وكأن الحياة لم تعد هناك لأن سيدة الحياة لم تعد هنا يا ميمة.

يا ميمة

أترى الحياة هي أنت؟ ما كان منك وما كان معك هو وحده الحياة. أما ما يحدث من بعدك هو لا يعدو سوى أن يكون شيئا ربما يشبه الحياة!

XS
SM
MD
LG