Accessibility links

شابة مغربية: أبحث عن أبي لأقدمه للعدالة


طفلة

زينون عبد العالي

"أبحث عن أبي وإن كانت صفة الأبوة لا تليق به، أبحث عنه لأنظر في وجهه، وأقول له 'أبي' ولو لمرة واحدة في حياتي، قبل أن أقدمه للعدالة لتأخذ حق أمي".

هذه أمنية الشابة المغربية زهرة التي تخوض غمار البحث عن مغتصب أمها أو والدها البيولوجي.

اغتصاب الأم

زهرة (اسم مستعار) هي فتاة مغربية لم تكمل العقد الثاني من عمرها بعد. فتحت عينيها في الحياة نتيجة تعرض أمها لاغتصاب من طرف شخص ما زالت تبحث عن هويته.

وجدت زهرة نفسها بين أحضان عائلة لا تربطها بها سوى ورقة كفالة قانونية، تمت بين أسرتها الحقيقية والعائلة التي تبنتها، والسبب خوف أسرتها الحقيقية من العار الذي سيلحق بها إذا ما افتضح أمر اغتصاب أم زهرة، ابنتهم المعاقة ذهنيا.

بعيون دامعة تتذكر زهرة التفاصيل التي حكتها لها جدتها حول واقعة اغتصاب أمها: "اغتصبت أمي في سن مبكرة على يد وحش آدمي. كانت تعاني من خلل دماغي، ولم تجد من يعتني بها ويعالجها بسبب تواجد أسرتها في البادية ورفض الأب الذهاب بها إلى المدينة لعلاجها".

لم يفكر "الوحش الآدمي" قبل تنفيذ جريمته بحق فتاة معاقة ذهنيا، ولم يدر أنه سيورثها آلاما تنوء أكتافها عن حملها، تقول زهرة، وتضيف "ربما لأن همه كان إشباع نزواته فقط ولو على حساب سيدة لا ذنب لها".

زيادة العنف ضد النساء

خلال السنوات الأخيرة، ارتفعت وتيرة العنف ضد النساء وتزايدت جرائم الاعتداء الجنسي في المغرب، حسب الناشطة الحقوقية والمحامية عائشة لخماس.

"لاحظنا في مركز النجدة للنساء ضحايا العنف تزايد إقبال النساء المغتصبات الراغبات في الحصول على المساعدة الاجتماعية والقانونية"، تقول الناشطة.

وتضيف أن القانون المغربي يجرم العنف ضد النساء والاغتصاب بكل أنواعه، إلا أن هناك "إشكالات لا تزال تعيق حصول النساء على حقوقهن، وتمكن المجرم من الإفلات من العقاب، لتبقى المرأة هي الخاسر الأكبر".

وأقرت الحكومة في 17 آذار/ مارس 2016، مشروع قانون لمحاربة العنف ضد النساء، وهو الأول في تاريخ المملكة.

وبرغم هذا التقدم الكبير، ترى منظمة العفو الدولية أنه قاصر عن حماية المعنفات.

وأشارت إلى أنه لا يتصدى للعقبات القائمة التي تواجه الراغبات في الإبلاغ عن حوادث العنف للموظفين المكلفين تنفيذ القانون وللسلطات القضائية، والذين كثيرا ما يحجمون عن تسجيل هذه القضايا، بحسب المنظمة.

وقبل عام 2014، كان القانون يسقط التهم عن المغتصب بحال تزوج من ضحية الاغتصاب، وبالتالي كان يضيع حقها في الإنصاف، تحت ضغط عائلتها عليها للتزوج بالجاني للملمة الفضيحة، فيفلت الجاني من العقاب.

حقوق ضائعة

"لا تتذكر أمي شيئا مما وقع لها، ولا أحد يعرف كم مرة تعرضت للاستغلال الجنسي من طرف مغتصبها المتخفي، حتى أنها لا تعرف من أكون"، تحكي زهرة مغالبة دموعها، وتصمت برهة قبل أن تواصل كلامها.

لم تتقبل العائلة أن تضع ابنتهم حملها في بيت الأسرة، فتقاليد أهل القرية المحافظة حيث تقطن، حتمت عليها التفكير في منح الفتاة الوليدة إلى أسرة في المدينة لتتكفل بها.

وبنبرة حزينة وأنفاس متقطعة، تتحدث زهرة عن ضياع حقها في معرفة أبيها البيولوجي، ومغتصب أمها الذي لم ينل عقابه بعد: "ضاع أمل أمي في استرجاع حقها ممن اعتدى عليها، حتى أن جدتي توفيت وفي قلبها غصة مما حدث لابنتها التي لم تجد من يشد على يدها ويوصلها إلى حقوقها المهضومة".

وتستدرك الفتاة التي تتابع دراستها الجامعية في كلية علم النفس، "قيل لي إنني قبل أن أنتقل إلى أسرة جديدة كادت أمي الحقيقية أن تقتلني في كثير من الأوقات بسبب نوبات الهستيريا التي تجتاحها وتفقدها الشعور، لكني نجوت من الموت وكتبت لي حياة جديدة بين أحضان عائلة وجدت فيها السند".

حماية غائبة

ورأت الأخصائية النفسية والاجتماعية أمل شبش أن الأطفال الذين يولدون نتيجة حالات اغتصاب يواجهون الحياة بمفردهم، وقد يسلكون طريق الانحراف انتقاما من أنفسهم ومن المجتمع الذي ينظر إليهم كغرباء من دون قيمة.

وأضافت شبش أن غياب الحماية القانونية والمواكبة النفسية لهم تجعل منهم قنبلة موقوتة آيلة إلى الانفجار في أي وقت.

وتطالب شبش برفع درجة الوعي لدى عامة الناس، وتغيير النظرة الدونية، والمعاملة السلبية التي يعاملون بها ضحايا الاغتصاب، نساء وأطفالا.

البحث عن الحقيقة

بعد كشف الأسرة التي تبنتها لها عن حقيقة من تكون، أصيبت زهرة بحالة اكتئاب شديد، إلا أنها لم تعان مرارة العيش من دون أبوين حقيقيين، كما هو حال العديد من الحالات المشابهة لها، والسبب احتضان عائلتها الجديدة لها.

لكن الفتاة اليافعة لن يهدأ لها بال حتى تصل إلى حقيقة هوية والدها البيولوجي، إذ شرعت في استقاء الذكريات من عائلة أمها البيولوجية في السر، وأملها أن تصل إلى خيط يكشف لها هوية الشخص الذي تتمنى أن تقدمه للمحاكمة.

"أحس أنه حي يرزق، وأنه يعرف فعلته، لكنه يصر على التخفي وعدم الاعتراف بجريمته بحقنا، لن أسامحه وإن تمكنت من الوصول إليه سأجره إلى المحاكمة بيدي"، تختم زهرة حديثها والدموع تغمر عينيها.

خاص بموقعي الحرة/ ارفع صوتك

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG