Accessibility links

إعادة قراءة في التاريخ المصري الحديث: عصر محمد علي (3)


محمد علي

بقلم صامويل تادرس/

"إن من يطالع التاريخ المصري ليكتشف في وضوح أن ثمة تلازما تاريخيا بين بداية تكوين الجماعة الوطنية المصرية في العصر الحديث وبين بناء الدولة الحديثة على عهد محمد علي". هكذا يبدأ طارق البشري كتابه "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية". يؤكد الرجل فكرته الأساسية "أن جهاز الحكم والإدارة والجيش والصناعة والزراعة الدائمة والتعليم الحديث ... كلها ترجع في مجملها إلى الأبنية التي شادها الرجل (محمد علي)". في الحقيقة هذا الطرح رغم جاذبيته وانتشاره بين النخبة المصرية هو محض هراء.

محمد علي لم يشكل جماعة وطنية. لم يكن هذا ضمن مشروعه. لم يسمح طوال حكمه ببزوغ أي إطار أو جماعة تنافسه على السلطة أو تشاركه إدارة أمور الدولة. الهوية المصرية لم تتشكل في عصره. الجماعة الوطنية، إن كان يمكن أن نستخدم هذا التعبير من الأساس، لم تتشكل إلا بعد عصر محمد علي بعقود. الأهم أن مشروع محمد علي لم يكن مشروعا تحديثيا من الأساس. هذا إن أخذنا أي مفهوم للحداثة أوسع من مجرد استيراد بضع آلات أو معلمين. صحيح أن الرجل أنشأ بضعة مصانع ومدارس، لكن هذا لم يكن مشروعه من الأساس. مشروع محمد علي يمكن تلخيصه في جمله واحدة: حماية حكمه من أطماع سيده في الأستانة ومن الغربيين من خلال إنشاء جيش قوي يسمح له بالدفاع عن حكمه داخليا وخارجيا وتوسيعه. هذا هو مشروع محمد علي بمنتهى البساطة.

أبقى محمد علي تركيزه على هذا المشروع طوال حكمه. من أجل خدمه جيشه احتاج إلى معلمين وضباط. استورد المعلمين من أوروبا. من أجل تخريج ضباط يقودون جيشه بدأ في تعليمهم. فتح محمد علي 47 مدرسة ابتدائية ضمت حوالي 5000 طالب بجانب بضع مدارس عليا. أقنعه الأجانب أن تعليم من يحتاجه من عسكريين وإداريين سيكون أفضل في أوروبا. في عام 1809 أرسل أول طالب للدراسة في الخارج. في عام 1826 أرسل أول بعثة مكتملة من 44 طالبا، برز منهم في ما بعد رفاعة الطهطاوي. في المجمل أرسل محمد علي 349 طالبا. البعثة الأخيرة في عام 1844 كانت الأهم. كان من ضمنها اثنان من أبنائه واثنان من أحفاده بجانب نوبار باشا، علي مبارك، وشريف باشا.

جرى العرف على النظر إلى هذه البعثات والمدارس كجزء من مشروع تعليمي. هذه خطيئة كبرى. لم يكن هناك مشروع تعليمي من الأساس. جرى فتح وغلق المدارس بشكل عشوائي. الدراسة الأهم عن التعليم المصري قام بها جيمس هايورث-دن في عام 1968. أثبت في كتابه غياب أي سياسة تعليمية لدى محمد علي. الأمر الأهم أن الفكرة السائدة عن غلق الوالي عباس للمدارس هي خاطئة. حتي قبل اتفاقية لندن بدأ محمد علي في غلق المدارس توفيرا للنفقات. بعد الاتفاقية التي ضمنت له ولأسرته حكم مصر وحددت حجم الجيش المصري بـ18 ألف جندي قام محمد علي بغلق أغلب المدارس. في عام 1841 بقيت ثلاث مدارس ابتدائية فقط أغلقت على التوالي في أعوام 1844و 1849 و 1850. المدارس العليا لم تسلم من حمى الإغلاق. مدرسة الزراعة أغلقت في عام 1842 والمدفعية في 1847.

ماذا كان حال الأقباط في عصر محمد علي؟ طارق البشري يقول إن محمد علي "أبقى للأقباط دورهم التقليدي في إدارة شؤون المالية العامة للدولة". هذا الوصف غير صحيح. بعد تولي محمد علي الحكم ذهب كبار المباشرين الأقباط بقيادة المعلم جرجس الجوهري لتهنئته، أكرمهم الرجل ثم ألقى القبض عليهم مطالبا إياهم بالأموال. ظلت هذه سياسة الرجل تجاههم. سوف ينتهي الحال بجرجس الجوهري منفيا ومفلسا. سيأخذ مكانه المعلم غالي الذي بدوره سوف يقتله محمد علي عام 1821. رغب محمد علي في إضعاف الأقباط. طوال حكمه سوف يحل السوريون مكانهم. مساحو الأراضي الأقباط سوف يتم استبدالهم بأجانب منذ 1821.

ظل الأقباط محكومين ببعض قيود الذمية في عهده. في عام 1817 سوف يفرض عليهم مرة أخرى لبس الأزرق والأسود والامتناع عن لبس العمائم البيضاء. شجع محمد علي محاولات أسلمتهم بمنح منح نقدية لمن يسلم منهم و عقاب المرتدين. حتى الأجانب الذين دخلوا في خدمته طالبهم بالإسلام. كلوت بك وجد نفسه ممنوعاً من الشهادة ضد طالب اعتدي عليه. شهادة غير المسلم لا تقبل. علي الجانب الآخر سمح محمد علي للأقباط بتجديد الكنائس المهدمة. في نهاية عصره سمح برفع الصليب في الجنائز بعد قتل سيدهم بشاي.

الأمر الأهم هو وضع الأقباط في مشروعه. لم يكن لهم دور. لم يجند الأقباط في عهده ولم يتلقوا تعليما. لم يرسل محمد علي قبطيا واحدا في بعثاته التعليمية إلى الغرب. أول قبطي أرسل إلى أوروبا هو واصف غالي عام 1855 على يد سعيد باشا. لم يقبل قبطي واحد في مدارس محمد علي المختلفة. وجد الأقباط أنفسهم بين شقي رحى وظائفهم التقليدية يتم ملؤها بالشوام والأجانب وعلي الجانب الآخر ليس مسموحا لهم بالتقدم وشغل الوظائف الجديدة.

حالهم لم يكن أفضل في عصر عباس. أخرج من بقي منهم من مناصبهم. قام الوالي بنفي كثير من الأقباط إلى السودان. أراد ذات مره الخلاص من أقباط مصر بالكامل بطردهم جميعا إلى السودان إذا أبوا الإسلام. تصدى له الشيخ إبراهيم الباجوري شيخ الأزهر. وضع الأقباط مع نهاية حكم عباس كان مأسويا. في وسط الظلام سوف يبزغ نور.

-----------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG