Accessibility links

ميونخ 2018: إرهاصات عالم جديد؟


من جلسات مؤتمر ميونخ للأمن

بقلم جمال أبو الحسن/

تهيأت لكاتب هذه السطور فرصة حضور جلسات "مؤتمر ميونخ للأمن ـ 2018" بين 16 و18 شباط/فبراير الماضي. يوفر المؤتمر إطلالة نادرة على أهم القضايا الاستراتيجية في العالم بعيون أبطالها. المشاركون والحاضرون هم رؤساء ووزراء دفاع وخارجية ومديرو أجهزة مخابرات وصفوة من العقول الاستراتيجية. عنوان التقرير السنوي الذي يصدر عن المؤتمر كان ذا دلالة: "الذهاب إلى الحافة.. ثم العودة؟". الخيط الناظم للمناقشات لم يكن بعيدا عن هذا العنوان. هناك إشارات وإرهاصات، قادمة من مناطق مختلفة في العالم، بأن النظام الذي نشأ بعد 1945، وعماده المؤسسات والقواعد والمنظومة الليبرالية، يتعرض للتآكل. بل يرى البعض أنه يوشك أن يتداعى كليا!

المعضلة الرئيسة ـ كما يراها كثير من المتابعين، لاسيما من الأوروبيين ـ هي أن الالتزام الأميركي بهذا النظام العالمي، الذي أسهمت الولايات المتحدة في إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية، يخفت ويتراجع. في كلمته أمام المؤتمر، حاول مستشار الأمن القومي الأميركي جنرال هربرت ماكماستر، تقديم صورة مطمئنة عن الالتزام الأميركي بالنظام العالمي. قال إن المنافسة في عالم اليوم تجري بين المجتمعات المغلقة وتلك المفتوحة، وإن أميركا ملتزمة بالدفاع عن قيم الحرية الفردية وحكم القانون ولن تترك الساحة لتمدد المجتمعات المغلقة. أشار إلى أن التحديات الرئيسية أمام الولايات المتحدة في عالم اليوم تتضمن، إلى جانب الانتشار النووي والإرهاب الجهادي، مواجهة القوى التي تريد "مراجعة" النظام الدولي (في تلميح لا يخفى إلى روسيا والصين). وأضاف أن بداية تآكل هذا النظام تعود إلى غزو روسيا لجورجيا في 2008، وأن أميركا تقف مع حلفائها على أساس القيم والمصالح المشتركة.. وأيضا التشارك في تحمل الأعباء.

بعض الدول الآسيوية قد يستشعر القلق إزاء التزام أميركا بالأمن في المحيط الهادئ. ربما يكون من نتيجة هذا أن تختار هذه الدول الانصياع للهيمنة الصينية

الكلمة الأخيرة ـ المشاركة في تحمل الأعباء ـ ربما تشكل مفتاحا لفهم منطلقات الإدارة الأميركية الحالية. هي تشعر أن النظام الدولي الحالي عامل القوى الأخرى كـ "راكب مجاني"؛ أي أعفاها من تحمل المسؤوليات والمشاركة في عبء الحفاظ على أمن النظام، برغم ما وفره هذا النظام لتلك الدول من فرصة للنمو والازدهار. مثلا؛ رأى ماكماستر أن اتفاق باريس للمناخ أعطى "أكبر الملوثين" (يعني الصين) فرصة "للركوب المجاني". في نفس الاتجاه، تسعى الولايات المتحدة إلى دفع أوروبا لتحمل نصيبها من الدفاع عن القارة عبر نسبة الإنفاق العسكري للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمالي الأطلسي (ناتو) إلى 2 في المئة من الناتج القومي.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: أصل الفكرة (2)

إحدى المعضلات الرئيسية في الأمن العالمي تكمن في أن أوروبا ليست قادرة عن الدفاع عن نفسها بنفسها. هذه المعضلة ـ المزمنة إن شئت ـ أفرزت حربين عالميتين وأخرى باردة في القرن العشرين. هي ما زالت تؤرق الأمن العالمي. ناتو هو المظلة الأمنية التي وفرت الحماية للازدهار الأوروبي لسبعة عقود. هذا الحلف العسكري يبسط مظلة حمايته على مليار إنسان في أوروبا وأميركا الشمالية.

يبلغ الناتج القومي الأوروبي 17 تريليون دولار سنويا. هناك 510 ملايين شخص يعيشون في هذه القارة. مكانة أوروبا ـ بالتاريخ والجغرافيا والقدرات والقيم ـ تقع في صلب المنظومة العالمية. ثمة 60 ألف جندي أميركي على الأراضي الأوروبية، وهذا مجرد جانب من الالتزام الأميركي بأمنها. أوروبا تعتمد على الولايات المتحدة في منظومة الدفاع ضد الصواريخ البالستية. اليوم، تتصاعد الشكوك الأوروبية في هذا الالتزام. خلال جلسات "ميونخ" تواتر الحديث عن تطوير قدرات أوروبية ذاتية للدفاع. أشار عدد من المتحدثين، على سبيل المثال، إلى أهمية الإبقاء على علاقات دفاعية وعسكرية مع بريطانيا حتى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. "البريكسيت" ربما يدفع فرنسا وألمانيا إلى تعاون أكبر، وتحمل مسؤوليات دفاعية أوسع عن القارة. ألمح عدد من المتحدثين الأوروبيين خلال جلسات المؤتمر إلى أهمية اتفاقية PESCO (Permanent Structured Cooperation) في تعزيز تعاون دفاعي أكبر بين الدول الأوروبية. بكلام مختصر، كان واضحا أن الاتجاه العام السائد يعكس قلقا وانزعاجا أوروبيا حيال "خفوت" الالتزام الأميركي بأمن القارة العجوز.

عدت من ميونخ وفي جعبتي ملحوظة رئيسية: الجدل حول دور أميركا وسياستها الخارجية سيظل أهم قضية استراتيجية لعقود قادمة

لو تعزز الانطباع بتراجع الالتزام الأميركي بالأمن العالمي، فإن الآثار والتداعيات لن تقف عند حدود أوروبا. ثمة دول آسيوية تتعرض لاستفزازات وتهديدات من الصين في بحر الصين الجنوبي. بعض هذه الدول قد يستشعر القلق إزاء التزام أميركا بالأمن في المحيط الهادئ. ربما يكون من نتيجة هذا أن تختار هذه الدول الانصياع للهيمنة الصينية والسعي إلى استرضاء بكين. قد تسير الأمور في الاتجاه نفسه في الشرق الأوسط إذا أحس حلفاء تقليديون للولايات المتحدة بأنها ترفع يدها عن المنطقة وأمنها. حاول ماكماستر أن يبدد هذا الانطباع الأخير، إذ حمل في كلمته بشدة على السياسة الإيرانية الساعية إلى ممارسة الهيمنة في دول الشرق الأوسط الضعيفة من خلال اختراقها بالميلشيات الموالية للملالي، وبحيث تصير هذه الميلشيات صاحبة اليد العليا فعليا في تلك الدول المتداعية أو الممزقة (لبنان/ سورية/ العراق/ اليمن).

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: كيف يجسدها "إيلون ماسك"؟ (3)

يمكن القول إن السياسة الخارجية الأميركية كانت "بطل" المناقشات والسجالات في ميونخ 2018. بخلاف المتوجسين والمنزعجين من تحولات الإدارة الحالية واختياراتها، هناك من يرى أن موقع أميركا في النظام العالمي لم يتزعزع. يطرح هؤلاء عددا من الاعتبارات الموضوعية: أميركا لا تزال القوة الوحيدة القادرة على التدخل عسكريا في أي مكان في العالم من دون أن تتحمل سوى الحد الأدنى من المخاطرة (باستثناء حالة الحرب النووية). لا تزال الولايات المتحدة قادرة على هزيمة أي حلف عسكري من أي عدد من الدول في العالم. الأهم من ذلك أن أميركا تقود "العصر الرقمي". منافسوها يبعدون عنها بمسافة واسعة. غوغل وفيسبوك وآبل ومايكروسوفت وأمازون.. كلها أميركية. الخليط بين القوة العسكرية واستقلالية مصادر الطاقة والموقع الجغرافي المحصن والقوة الناعمة.. لا نظير له لدى أي دولة.

عدت من ميونخ وفي جعبتي ملحوظة رئيسية: الجدل حول دور أميركا وسياستها الخارجية سيظل أهم قضية استراتيجية لعقود قادمة. ثمة إرهاصات لعالم يختلف عن عالم الحرب ما بعد الحرب العالمية الثانية. الأجيال التي شهدت هذه الحرب أو تأثرت بها، ونشأت في ظل تداعياتها، توشك أن تغادر المشهد. لا نعرف بعد ما يشكل وعي القادة الجدد أو يحدد اختياراتهم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG